السلسلة المتصلة من السلف الصالح إلى الأشاعرة والماتريدية
المذهبان الأشعري والماتُريدي ليسا مذهبين مبتدعين، بل هما امتدادٌ وصياغةٌ حِجاجية لما كان عليه السلف الصالح والأئمة المتقدمون وهذا الترابط والتسلسل يتضح جلياً عند النظر في منهجية الأئمة
بدأت هذه السلسلة بـالصحابة والتابعين وتابعيهم رضي الله عنهم، الذين أخذوا العقيدة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستخدموا التأويل اللغوي عند الحاجة لرفع التوهم والتشبيه عن الأذهان، كما جاء عن ابن عباس ومجاهد وقتادة
ثم جاء دور الإمام ابن كلاب المتوفى 240هـ ، ثم الإمام الطبري المتوفى 310 هـ ، فالإمام الطحاوي المتوفى 321 هـ ليرصدوا عقائد السلف ويدونوها؛ حيث ركز الطبري على جمع الأثر والتأويل اللغوي المنقول، في حين صاغ الإمام ابن كلاب والإمام الطحاوي المتن العقدي التنزيهي المحكم
تتابع الحلقات التاريخية
يتجلى لنا تتابع الحلقات التاريخية وتكاملها عبر الزمن على النحو التالي
المذهب الكُلابي
تلت ذلك خطوة الإمام الجليل ابن كُلاب أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاب، المتوفى 240 هـ ، وكان معاصرا لإمام السنة أحمد بن حنبل المتوفى 241هـ، بدأ الإمام الجليل ابن كُلاب بمواجهة فكرية منظمة، ووضع القواعد العقلية الأولى لرد شُبه المعتزلة وتثبيت صفات الذات الإلهية وأسس مذهب ابن كُلاب وهو أحد مذاهب أهل السنة والجماعة
فالمذهب الكُلابي هو مدرسة كلامية إسلامية سنية، ظهرت في النصف الأول من القرن الثالث الهجري
شكل هذا المذهب مرحلة انتقالية وفكرية هامة جداً في تاريخ الفكر الإسلامي، حيث هدف بشكل أساسي إلى الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة باستخدام الأدلة العقلية ومناهج علم الكلام، ليقف في وجه الفلسفات الوافدة والآراء الكلامية للمعتزلة والجهمية التي كانت سائدة في ذلك العصر
السياق التاريخي والنشأة
عاش ابن كُلاب في فترة شهدت ذروة الجدال العقدي بين المعتزلة الذين كانوا يميلون إلى تقديم العقل على النقل مطلقا وبين متطرفي الحنابلة المجسمة الذين كانوا يتمسكون بالظواهر والنصوص ويرفضون الخوض في علم الكلام
رأى ابن كُلاب أن مواجهة المعتزلة لا تكفي فيها النصوص السمعية وحدها أمام خصم لا يؤمن بحجيتها بالطريقة نفسها، فقرر استخدام السلاح الفكري ذاته — وهو علم الكلام والأدلة العقلية — لإثبات العقائد الصحيحة
أبرز أسس وأفكار المذهب الكُلابي
تركزت أطروحات المذهب الكُلابي حول مسألة الصفات الإلهية، وكانت له آراء متميزة أثرت في المدارس اللاحقة
إثبات صفات الذات
خالف ابن كُلاب المعتزلة الذين نفوا صفات الله سبحانه و تعالى، وأثبت لله صفات أزلية قائمة بذاته مثل الكلام، العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، والحياة وكان يرى أن هذه الصفات لا يُقال عنها هي الذات، ولا هي غير الذات، بل هي قائمة بها، وهذا ماقال به إمام أهل السنة والجماعة أبو الحسن الأشعري المتوفى 324هـ وإمام الهدى الإمام أبو منصور الماتريدي المتوفى 333 هـ وزاد صفة التكوين
نفي حلول الحوادث في ذات الله
هذه النقطة هي أدق ما تميز به المذهب الكُلابي ؛ حيث كان يرى أن الله تعالى منزه عن قيام الحوادث بذاته
مسألة كلام الله في القرآن
قدم ابن كُلاب رؤية خاصة لكلام الله تفرّق بين شيئين
الكلام النفسي: وهو معنى واحد أزلي قائم بذات الله تعالى، لا يوصف بالصوت ولا بالحروف، وهو غير مخلوق
العبارات والألفاظ عند الناس: القرآن المتلو من البشر أو المكتوب بالحروف والأصوات واعتبر أن هذه الحروف والأصوات دالة على ذلك الكلام النفسي الأولي
وهذه عقائد السلف الصالح وأهل السنة والجماعة في هذه المسائل
الإمام الطحاوي والتنزيه المطلق
الإمام أبو جعفر الطحاوي المتوفى 321 هـ صاغ متن عقيدته الشهيرة لينص على ما كان عليه أئمة السلف، وتحديداً الإمام أبو حنيفة المتوفى 150 هـ وصاحباه أبو يوسف المتوفى 182 هـ، ومحمد بن الحسن الشيباني المتوفى 189 هـ وحين قال في متنه العبارة المشهورة
وتعالى [الله] عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات
فهو لم يكن يقرر رأياً شخصياً، بل كان يوثق التنزيه المطلق الذي استقر عليه السلف الصالح وعلماء أهل السنة والجماعة، وحتى قبل ظهور المذهب الأشعري والماتُريدي، وهذا يوضح أن نفي التشبيه والتجسيم وتنزيه الذات الإلهية عن سمات المحدَثات المخلوقات هو أصل أصيل عند السلف الصالح
الإمام الطبري وتأويلات السلف
الإمام محمد بن جرير الطبري المتوفى 310 هـ، وهو إمام المفسرين وصاحب أكبر موسوعة تفسيرية بالأثر، يمثل حجة بالغة في هذا الباب فعند تصفح تفسيره، تجده ينقل عن الصحابة والتابعين؛ مثل عبد الله بن عباس المتوفى 68 هـ، ومجاهد بن جبر المتوفى 104 هـ، وقتادة بن دعامة المتوفى 117 هـ رضي الله عنهم، تأويلات لآيات الصفات تخرج بها عن ظواهرها الحسية إلى معانٍ تليق بالله
على سبيل المثال، عند تفسير قوله تعالى {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ}، ينقل الإمام الطبري إجماع المفسرين من السلف على أن الأيد هنا هي القوة، وليست العضو الجارحة، وعند قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ}، ينقل عن ابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين أن المراد بالساق هنا هو الشِّدة والهول يوم القيامة
هذا التوثيق من الإمام الطبري يثبت أن التأويل صرف اللفظ عن ظاهره الحسي المتبادر للأذهان لم يكن بدعة، بل كان أداة فهم واستنباط استخدمها أكابر الصحابة والتابعين لتنزيه الله
المذهب الأشعري والماتريدي
يُعتبر إمام أهل السنة والجماعة الإمام أبو الحسن الأشعري قدس الله سره ورضي عنه المتوفى 324 هـ قد تأثر بشكل مباشر بأطروحات الإمام الجليل ابن كُلاب عند صياغته للمذهب الأشعري، ووافقه في العقيدة في مسائل مثل إثبات صفات الله تعالى والكلام النفسي، لتصبح المذهب السائد لجمهور أهل السنة والجماعة عبر القرون
المذهب الماتُريدي التقى إمام الهدى الإمام الماتريدي قدس الله سره ورضي عنه المتوفى 333 هـ أيضاً مع الكُلابية في كثير من الجوانب العقلية المتعلقة بتنزيه الصفات وإثباتها
فقد أخذ الأشاعرة والماتُريدية هذه التقريرات والنصوص المتقدمة، وهذّبوها، ثم وضعوا لها الأطر العقليّة والاصطلاحية المتكاملة لتدريسها ومحاججة الفلاسفة وأرباب الملل الأخرى
لذلك، فإن المحققين من العلماء يصفون الإمامين الجليلين أبا الحسن الأشعري وأبا منصور الماتُريدي رضي الله عنهما بأنهم مقررون لمذهب السلف الصالح، وليسوا منشئين لمذهب جديد هم فقط وضعوا الأدوات والاصطلاحات العلمية لضبط الفكر العقدي وحمايته من الانحراف، تماماً كما وضع علماء النحو قواعد اللغة لحماية اللسان العربي من اللحن، دون أن يخترعوا لغة جديدة فقد كان القرن الثالث والرابع الهجري منارة علم عظيمة في التاريخ الإسلامي
المذهبان الأشعري والماتُريدي ليسا مذهبين مبتدعين، بل هما امتدادٌ وصياغةٌ حِجاجية لما كان عليه السلف الصالح والأئمة المتقدمون وهذا الترابط والتسلسل يتضح جلياً عند النظر في منهجية الأئمة
بدأت هذه السلسلة بـالصحابة والتابعين وتابعيهم رضي الله عنهم، الذين أخذوا العقيدة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستخدموا التأويل اللغوي عند الحاجة لرفع التوهم والتشبيه عن الأذهان، كما جاء عن ابن عباس ومجاهد وقتادة
ثم جاء دور الإمام ابن كلاب المتوفى 240هـ ، ثم الإمام الطبري المتوفى 310 هـ ، فالإمام الطحاوي المتوفى 321 هـ ليرصدوا عقائد السلف ويدونوها؛ حيث ركز الطبري على جمع الأثر والتأويل اللغوي المنقول، في حين صاغ الإمام ابن كلاب والإمام الطحاوي المتن العقدي التنزيهي المحكم
تتابع الحلقات التاريخية
يتجلى لنا تتابع الحلقات التاريخية وتكاملها عبر الزمن على النحو التالي
المذهب الكُلابي
تلت ذلك خطوة الإمام الجليل ابن كُلاب أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاب، المتوفى 240 هـ ، وكان معاصرا لإمام السنة أحمد بن حنبل المتوفى 241هـ، بدأ الإمام الجليل ابن كُلاب بمواجهة فكرية منظمة، ووضع القواعد العقلية الأولى لرد شُبه المعتزلة وتثبيت صفات الذات الإلهية وأسس مذهب ابن كُلاب وهو أحد مذاهب أهل السنة والجماعة
فالمذهب الكُلابي هو مدرسة كلامية إسلامية سنية، ظهرت في النصف الأول من القرن الثالث الهجري
شكل هذا المذهب مرحلة انتقالية وفكرية هامة جداً في تاريخ الفكر الإسلامي، حيث هدف بشكل أساسي إلى الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة باستخدام الأدلة العقلية ومناهج علم الكلام، ليقف في وجه الفلسفات الوافدة والآراء الكلامية للمعتزلة والجهمية التي كانت سائدة في ذلك العصر
السياق التاريخي والنشأة
عاش ابن كُلاب في فترة شهدت ذروة الجدال العقدي بين المعتزلة الذين كانوا يميلون إلى تقديم العقل على النقل مطلقا وبين متطرفي الحنابلة المجسمة الذين كانوا يتمسكون بالظواهر والنصوص ويرفضون الخوض في علم الكلام
رأى ابن كُلاب أن مواجهة المعتزلة لا تكفي فيها النصوص السمعية وحدها أمام خصم لا يؤمن بحجيتها بالطريقة نفسها، فقرر استخدام السلاح الفكري ذاته — وهو علم الكلام والأدلة العقلية — لإثبات العقائد الصحيحة
أبرز أسس وأفكار المذهب الكُلابي
تركزت أطروحات المذهب الكُلابي حول مسألة الصفات الإلهية، وكانت له آراء متميزة أثرت في المدارس اللاحقة
إثبات صفات الذات
خالف ابن كُلاب المعتزلة الذين نفوا صفات الله سبحانه و تعالى، وأثبت لله صفات أزلية قائمة بذاته مثل الكلام، العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، والحياة وكان يرى أن هذه الصفات لا يُقال عنها هي الذات، ولا هي غير الذات، بل هي قائمة بها، وهذا ماقال به إمام أهل السنة والجماعة أبو الحسن الأشعري المتوفى 324هـ وإمام الهدى الإمام أبو منصور الماتريدي المتوفى 333 هـ وزاد صفة التكوين
نفي حلول الحوادث في ذات الله
هذه النقطة هي أدق ما تميز به المذهب الكُلابي ؛ حيث كان يرى أن الله تعالى منزه عن قيام الحوادث بذاته
مسألة كلام الله في القرآن
قدم ابن كُلاب رؤية خاصة لكلام الله تفرّق بين شيئين
الكلام النفسي: وهو معنى واحد أزلي قائم بذات الله تعالى، لا يوصف بالصوت ولا بالحروف، وهو غير مخلوق
العبارات والألفاظ عند الناس: القرآن المتلو من البشر أو المكتوب بالحروف والأصوات واعتبر أن هذه الحروف والأصوات دالة على ذلك الكلام النفسي الأولي
وهذه عقائد السلف الصالح وأهل السنة والجماعة في هذه المسائل
الإمام الطحاوي والتنزيه المطلق
الإمام أبو جعفر الطحاوي المتوفى 321 هـ صاغ متن عقيدته الشهيرة لينص على ما كان عليه أئمة السلف، وتحديداً الإمام أبو حنيفة المتوفى 150 هـ وصاحباه أبو يوسف المتوفى 182 هـ، ومحمد بن الحسن الشيباني المتوفى 189 هـ وحين قال في متنه العبارة المشهورة
وتعالى [الله] عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات
فهو لم يكن يقرر رأياً شخصياً، بل كان يوثق التنزيه المطلق الذي استقر عليه السلف الصالح وعلماء أهل السنة والجماعة، وحتى قبل ظهور المذهب الأشعري والماتُريدي، وهذا يوضح أن نفي التشبيه والتجسيم وتنزيه الذات الإلهية عن سمات المحدَثات المخلوقات هو أصل أصيل عند السلف الصالح
الإمام الطبري وتأويلات السلف
الإمام محمد بن جرير الطبري المتوفى 310 هـ، وهو إمام المفسرين وصاحب أكبر موسوعة تفسيرية بالأثر، يمثل حجة بالغة في هذا الباب فعند تصفح تفسيره، تجده ينقل عن الصحابة والتابعين؛ مثل عبد الله بن عباس المتوفى 68 هـ، ومجاهد بن جبر المتوفى 104 هـ، وقتادة بن دعامة المتوفى 117 هـ رضي الله عنهم، تأويلات لآيات الصفات تخرج بها عن ظواهرها الحسية إلى معانٍ تليق بالله
على سبيل المثال، عند تفسير قوله تعالى {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ}، ينقل الإمام الطبري إجماع المفسرين من السلف على أن الأيد هنا هي القوة، وليست العضو الجارحة، وعند قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ}، ينقل عن ابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين أن المراد بالساق هنا هو الشِّدة والهول يوم القيامة
هذا التوثيق من الإمام الطبري يثبت أن التأويل صرف اللفظ عن ظاهره الحسي المتبادر للأذهان لم يكن بدعة، بل كان أداة فهم واستنباط استخدمها أكابر الصحابة والتابعين لتنزيه الله
المذهب الأشعري والماتريدي
يُعتبر إمام أهل السنة والجماعة الإمام أبو الحسن الأشعري قدس الله سره ورضي عنه المتوفى 324 هـ قد تأثر بشكل مباشر بأطروحات الإمام الجليل ابن كُلاب عند صياغته للمذهب الأشعري، ووافقه في العقيدة في مسائل مثل إثبات صفات الله تعالى والكلام النفسي، لتصبح المذهب السائد لجمهور أهل السنة والجماعة عبر القرون
المذهب الماتُريدي التقى إمام الهدى الإمام الماتريدي قدس الله سره ورضي عنه المتوفى 333 هـ أيضاً مع الكُلابية في كثير من الجوانب العقلية المتعلقة بتنزيه الصفات وإثباتها
فقد أخذ الأشاعرة والماتُريدية هذه التقريرات والنصوص المتقدمة، وهذّبوها، ثم وضعوا لها الأطر العقليّة والاصطلاحية المتكاملة لتدريسها ومحاججة الفلاسفة وأرباب الملل الأخرى
لذلك، فإن المحققين من العلماء يصفون الإمامين الجليلين أبا الحسن الأشعري وأبا منصور الماتُريدي رضي الله عنهما بأنهم مقررون لمذهب السلف الصالح، وليسوا منشئين لمذهب جديد هم فقط وضعوا الأدوات والاصطلاحات العلمية لضبط الفكر العقدي وحمايته من الانحراف، تماماً كما وضع علماء النحو قواعد اللغة لحماية اللسان العربي من اللحن، دون أن يخترعوا لغة جديدة فقد كان القرن الثالث والرابع الهجري منارة علم عظيمة في التاريخ الإسلامي
"المنظومة العقدية عند الأشاعرة والماتريدية، مرتبة ترتيباً منطقياً يبدأ من "تأسيس العقل" وصولاً إلى "تفاصيل الغيب
سعى علماء أهل السنة والجماعة النوابغ العظماء، ومنهم الإمام أبو الحسن الأشعري إمام أهل السنة والجماعة، والإمام أبو منصور الماتريدي إمام الهدى، إلى وضع منهجية دقيقة لفهم الذات الإلهية وصفاتها وأفعال العباد، وتنظيم العلاقة بين الخالق والمخلوق وفق أسس عقلية ونقلية متينة
ومن أبرز المذاهب التي أسهمت في هذا البناء العقلي: الأشعرية والماتريدية، اللتان أسستا منهجاً متكاملاً يبدأ من البديهيات العقلية للعقل السليم والمنطق الحكيم، ثم نظرية المعرفة وبنية الوجود، ثم الإلهيات، ثم النبوات، وصولاً إلى التسليم المطلق بالسمعيات؛ ليقدما لنا منظومة متماسكة تُفسر الوجود وفق أدق القواعد المنطقية التي لا تقبل التناقض
ترك هذا المنهج إرثاً قيماً في علم الكلام السني، أسهم في صون العقيدة من الانحراف، وبيّن للمؤمنين حدود الفهم العقلي والشرعي، محافظاً على التوحيد وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات
الجزء الأول: القواعد الحاكمة (القانون الكلي ودستور النظر)
قبل الشروع في بناء العقيدة، وضع الأشاعرة والماتريدية قواعد كُلية تحكم عملية الاستدلال وتضبط العلاقة بين الوحي والعقل، وهي بمثابة "الجدار الوقائي" للمنظومة
قاعدة دفع التعارض الظاهري (القانون الكلي)
تعتبر هذه القاعدة أهم القواعد الحاكمة؛ ومفادها أن العقل هو أصل النقل، لأننا بالعقل عرفنا وجود الإله، وبالعقل أثبتنا صدق النبي بالمعجزة. فإذا تعارض نص شرعي (ظني الدلالة) مع آية محكمة قطعية الدلالة و برهان عقلي قطعي، فإما أن يُؤول النص بما يوافق الآية المحكمة و العقل، أو يُفوض معناه إلى الله مع تنزيهه عن ظاهره
قاعدة التنزيه المطلق (مخالفة الحوادث)
وهي الانطلاق من الآية المحكمة: (ليس كمثله شيء) تعني هذه القاعدة أن كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك
الله تعالى متنزّه عن الجسمية، الجوهر والعرض، التحيز في المكان، جريان الزمان عليه، الجهات الست، الأعضاء، الأجزاء والأبعاض، الحدود، الغايات، وكل ما يقتضي مشابهة المخلوقات، لا يشبهه شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله
الله لا داخل العالم ولا خارجه
وصف الله بأنه "داخل العالم" أو "خارجه" هو فرع عن تصوره جسماً أو متحيزاً (أي يشغل حيزاً في الفراغ)، وهو ما ينفيه المتكلمون عقلاً. ومنطقهم كالتالي
الله ليس جسماً، وبما أن الله سبحانه ليس مادةً ولا يشغل حيزاً، فلا تجري عليه أحكام الجهات والمسافات (كالفوق، والتحت، والداخل، والخارج)؛ لأن هذه الأوصاف لا تعقل إلا في ماله أبعاد وحيّز، والقديم سبحانه منزه عن ذلك
. نفي المتناقضات المزعومة
يرى المتكلمون أن "الداخل والخارج" هما صفتان متقابلتان للأجسام فقط. فإذا انتفى أصل "الجسمية" عن الذات الإلهية، انتفت بالضرورة لوازمها (الجهات). لذا، فإن القول بأنه "لا داخل العالم ولا خارجه" ليس جمعاً بين النقيضين، بل هو تنزيهٌ للذات عما لا يليق بها من خصائص الحوادث
مثال تقريبي (خروج الصفة عن محل القابلية)
إذا سألت: "هل العدد (5) حزين أم سعيد؟" فالجواب المنطقي هو: "لا حزين ولا سعيد"؛ ليس لأنك تجمع بين النقيضين
لأن الحزن والسعادة من صفات الكائنات الحية التي تملك مشاعر، والعدد ليس محلاً للقابلية لهذه الصفات أصلاً
وعليه، فالخالق سبحانه؛ لما لم يكن جسماً، لم يصح عقلاً وصفه بـ "الدخول" أو "الخروج"، فهما صفتان تفتقران إلى (جسم ومكان)، والله غني عن العالمين
الجزء الثاني: المقدمات (نظرية المعرفة وبنية الوجود)
هذا القسم هو "التمهيد المنطقي" الذي يُبنى عليه إثبات وجود الله
مصادر العلم (نظرية المعرفة)
:يُقسم الأشاعرة و الماتريدية طرق العلم إلى ثلاثة
الحواس السليمة: وهي خمس (السمع، البصر، الشم، الذوق، اللمس)
العقل: وينقسم إلى "ضروري" (كالعلم بأن الكل أكبر من الجزء) و"نظري" (ما يحتاج لاستدلال وتفكير)
الخبر الصادق: ويشمل المتواتر (الذي يفيد العلم اليقيني) وخبر الرسول المؤيد بالمعجزة
:أحكام العقل الثلاثة (أدوات التصنيف)
كل فكرة تدخل عقل الإنسان يجب أن توضع في أحد هذه القوالب
أولاً: الأحكام العقلية (بالمعنى المنطقي الصرف)هذه الأحكام تصف علاقة "الفكرة" بالعقل، هل يقبلها أم يرفضها أم يتوقف فيها؟
الواجب عقلاً
هو ما لا يمكن للعقل أن يتخيل "عدمه". أي أن نقيضه يؤدي إلى انهيار المنطق
مثال: "الواحد نصف الاثنين". لا يمكن لعقل أن يتخيل كون الواحد ليس نصف الاثنين مع بقاء الأرقام بقيمها
مثال: "الكل أكبر من الجزء". بديهية عقلية لا تحتاج لدليل، وعدمها مستحيل تصوره
المستحيل عقلاً
هو ما يستحيل وجوده لذاته بسبب التناقض الداخلي في مفهومه، بحيث لا يمكن تصوّر وجوده دون الوقوع في اجتماع النقيضين أو رفعهما. فالعقل يحكم باستحالته حكماً ضرورياً، ما كانت ذاته مشتملة على تناقض، فاستحال وجوده في أي فرض أو عالم أو ظرف. ولذلك يقال: ليس شيئًا في الحقيقة، بل تركيب ألفاظ متناقضة لا تدل على معنى ممكن التحقق
:أمثلة
اجتماع النقيضين: أن يكون الشيء موجودًا وغير موجود في الوقت نفسه ومن الجهة نفسها
أن يكون الجزء أكبر من الكل
أو كقول مربع مستدير
أو عدد زوجي وفردي في آن واحد
:يُستخدم في رد الأسئلة المتناقضة مثل
هل يمكن لله خلق صخرة لا يمكن حملها؟
الجواب: هذا سؤال مبني على تركيب متناقض، لأنه يجمع بين كمال القدرة ورفعها في آن واحد، فيكون من باب المستحيل لذاته. والقدرة تتعلق بالممكنات، لا بالمستحيلات الذاتية، لأن المستحيل ليس شيئًا قابلاً للوجود أصلًا
الجائز أو الممكن عقلاً
هو ما يمكن للعقل أن يتخيل "وجوده" أو "عدمه" دون أن يقع في تناقض
مثال: "أن تمطر السماء ذهباً". العقل لا يرفض الفكرة لذاتها (فالذهب مادة والمطر حركة)، لكن الواقع هو الذي لم يحدث فيه ذلك
مثال: "طيران الإنسان بجناحين". العقل يتصور ذلك (كما في أفلام الخيال)، وعدم حدوثه لا يكسر قواعد المنطق
الجزء الثاني: الإلهيات (الذات والصفات والأفعال)
هنا صلب العقيدة، ويُطبق فيه التقسيم الثلاثي (واجب، مستحيل، جائز)
الواجب عقلا (في حق الله)
هو ما يجب إثباته لله تعالى ولا يجوز عقلاً ولا شرعاً نفيه عنه
مثال: "وجود الله". الله هو "واجب الوجود"؛ لأن وجود الكون (الممكن) يفتقر إلى موجد (واجب) ينهي سلسلة التسلسل
مثال: "صفة العلم". يستحيل شرعاً وعقلاً أن يكون الخالق جاهلاً، فالعلم واجب له
:ما يجب في حق الله تعالى ينقسم الواجب إلى
الصفة النفسية: (الوجود) وهي ليست صفة زائدة على الذات بل هي الذات نفسها
الصفات السلبية: (القدم: لا بداية له، البقاء: لا نهاية له، القيام بالنفس: لا يحتاج لغيره، الوحدانية: لا شريك له، المخالفة للحوادث: لا يشبه خلقه)
صفات المعاني: (العلم، الإرادة، القدرة، الحياة، السمع، البصر، الكلام، وزاد الماتريدية صفة التكوين). وهذه صفات قديمة قائمة بذاته تعالى
الصفات المعنوية: وهي ملازمة لصفات المعاني (كونه عالماً، مريداً، قديراً، حيا، سميعا، بصيرا، متكلما، مكونا)
المستحيل عقلا (في حق الله)
هو كل ما يستحيل اتصاف الله به لأنه ينافي كماله أو يؤدي إلى تناقض
مثال: "الشريك". وجود إلهين مستحيل؛ لأنه لو أراد أحدهما تحريك جسم وأراد الآخر تسكينه، فإما أن ينفذ مرادهما معاً (اجتماع نقيضين) أو لا ينفذ (عجز كلاهما)، وكلاهما مستحيل
مثال: "العجز أو الموت". هذه نقائص تتنافى مع تعريف الإله الخالق
ما يستحيل في حق الله تعالى
يستحيل على الله أضداد الصفات الواجبة السابقة
يستحيل عليه العدم، والحدوث، والفناء
يستحيل عليه المماثلة للخلق (كالتجسيم، والتحيز في المكان، والحاجة إلى الزمان)
يستحيل عليه الجهل، والعجز، والكراهة (أن يُجبر على فعل شيء)، والموت، والصمم، والبكم
الجائز أو الممكن عقلا (في حق الله)
هو كل ما يفعله الله أو يتركه بمحض إرادته
مثال: "إرسال الرسل". الله ليس "مجبراً" عقلاً على إرسال رسول، بل هو فعل جائز فعله رحمةً بالبشر
مثال: "إثابة الطائع وعقاب العاصي". من جهة القدرة، الله قادر على كل شيء، لكنه أوجب على نفسه العدل والرحمة بمقتضى وعده الشرعي
ما يجوز في حق الله تعالى
يجوز في حقه سبحانه فعل كل ممكن أو تركه
خلق البشر، رزقهم، إماتتهم، إرسال الرسل، خلق الجنة والنار؛ كل هذه ممكنات وليست واجبات عقلية
عند الأشاعرة والماتريدية: لا يجب على الله شيء للعباد (حتى الصلاح والأصلح)، بل كل نقمة منه عدل، وكل نعمة منه فضل
مبحث الجواهر والأعراض (حدوث العالم)
هنا يثبت الأشاعرة و الماتريدية أن العالم حادث أي مخلوق
الجواهر: هي الأجسام أو الأجزاء التي تشغل حيزاً
الأعراض: هي الصفات الطارئة على الأجسام (كالألوان، والروائح، والحركة، والسكون، والصوت)
البرهان: بما أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض حادثة (تتغير)، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث؛ إذن العالم كله "ممكن" الوجود، والممكن لا بد له من "واجب" يرجح كفة وجوده على عدمه
مبحث أفعال العباد (القدر): وهو الركن السادس من أركان الإيمان، ويقوم على قاعدة أن الله تعالى هو "الخالق" الوحيد لكل شيء، وأن للعبد "كسباً" اختيارا وإرادة يصح به التكليف
شمولية الإرادة: لا يقع في ملك الله إلا ما أراد، فكل خير أو شر هو بتقدير الله وعلمه الأزلي
العدل الإلهي: وقوع المعاصي بإرادة الله (كوناً) لا يعني رضاه عنها (شرعاً)، فالإنسان مُحاسب على توجيه إرادته وقصده للفعل، وهو ما يُعرف بـ "الكسب"، وبذلك يجمع المذهب بين تمام القدرة الإلهية وتحقق المسؤولية البشرية
الجزء الثالث: النبوات (الرسل والمعجزات)
ما يجب في حق الرسل
يجب للرسل أربع صفات أساسية
الصدق: في كل ما يبلغونه عن الله
الأمانة: العصمة من الكذب والوقوع في الكبائر
التبليغ: إيصال كل ما أُمروا بإيصاله للناس
الفطانة: الذكاء وقوة الحجة للرد على المعارضين
ما يستحيل في حق الرسل
يستحيل عليهم أضداد الواجبات
الكذب، الخيانة (فعل المحرمات)، كتمان الرسالة، البلادة والضعف العقلي
كما يستحيل عليهم الأمراض المنفرة والعيوب المنفرة للناس عن اتباعهم
ما يجوز في حق الرسل
يجوز في حقهم كل ما هو من "الأعراض البشرية" التي لا تؤدي إلى نقص في مرتبتهم العلية
كالأكل، والشرب، والنوم، والزواج، والمرض الخفيف، والنسيان في غير التبليغ، والموت
إمكان البعثة والمعجزة
إرسال الرسل هو "جائز عقلاً" وليس واجباً، ولكنه "واجب شرعاً" بمقتضى وعد الله. والمعجزة هي التي تثبت صدق النبي، وهي أمر خارق للعادة يجريه الله على يد الأنبياء والرسل للتحدي
الجزء الرابع: السمعيات (الغيبيات المنقولة)
هذا الباب يختلف عن سابقيه في أن العقل لا يستقل بإدراكه، بل وظيفته هي إثبات أن هذه الأمور "ممكنة عقلاً"، فإذا جاء الخبر الصادق (القرآن والسنة) بوقوعها، صار التصديق بها واجب شرعاً
الإيمان بالملائكة: الإيمان بوجود أجسام قادرة على التشكل، لا يعصون الله ما أمرهم، ومنهم جبريل وميكائيل وحملة العرش
الإيمان بالكتب: الإيمان بأن الله أنزل كتباً على رسله (التوراة، الإنجيل، الزبور، الصحف) وأن القرآن هو خاتمها والمهيمن عليها، وهو كلام الله القديم
الموت وما بعده
سؤال الملكين وعذاب القبر ونعيمه: حق يجب الإيمان به
الروح: مبحث ماهية الروح، وهل هي جسم لطيف أم عرض (والأرجح التفويض في كنهها)
علامات الساعة الصغرى والكبرى
الحشر والجزاء
البعث: إعادة الأجسام بعينها يوم القيامة
الحساب والميزان: وزن الأعمال والصحف
الصراط: جسر حقيقي يمر عليه الناس فوق نار جهنم
الشفاعة: ثبوت الشفاعة العظمى للنبي ﷺ
المآل النهائي (الجنة والنار)
الوجود: الجنة والنار مخلوقتان الآن وموجودتان
الخلود: بقاؤهما أبدياً لا يفنيان ولا يفنى أهلهما
رؤية الله: إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، وهي رؤية بلا كيف ولا جهة ولا انحصار، لأن الرؤية "ممكنة" في كل موجود، والله موجود فيصح أن يُرى
موقف أهل السنة والجماعة الأشاعرة والماتريدية في الفساق يوم القيامة والإمامة
يؤمن أهل السنة والجماعة بعدم تخليد الفساق في النار خلافا للمعتزلة
ويؤمنون بعدم جواز الخروج على الحاكم خلافا للخوارج
ملخص المنظومة في كلمات: إن مذهب الأشاعرة والماتريدية هو محاولة لترجمة الإيمان الوحياني إلى لغة عقلية رصينة؛ تبدأ بضبط العقل (القواعد الحاكمة)، ثم الكون (المقدمات)، ثم إثبات الخالق وصفاته (الإلهيات)، ثم إثبات الإنبياء (النبوات)، ثم الإذعان للغيب (السمعيات)
سعى علماء أهل السنة والجماعة النوابغ العظماء، ومنهم الإمام أبو الحسن الأشعري إمام أهل السنة والجماعة، والإمام أبو منصور الماتريدي إمام الهدى، إلى وضع منهجية دقيقة لفهم الذات الإلهية وصفاتها وأفعال العباد، وتنظيم العلاقة بين الخالق والمخلوق وفق أسس عقلية ونقلية متينة
ومن أبرز المذاهب التي أسهمت في هذا البناء العقلي: الأشعرية والماتريدية، اللتان أسستا منهجاً متكاملاً يبدأ من البديهيات العقلية للعقل السليم والمنطق الحكيم، ثم نظرية المعرفة وبنية الوجود، ثم الإلهيات، ثم النبوات، وصولاً إلى التسليم المطلق بالسمعيات؛ ليقدما لنا منظومة متماسكة تُفسر الوجود وفق أدق القواعد المنطقية التي لا تقبل التناقض
ترك هذا المنهج إرثاً قيماً في علم الكلام السني، أسهم في صون العقيدة من الانحراف، وبيّن للمؤمنين حدود الفهم العقلي والشرعي، محافظاً على التوحيد وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات
الجزء الأول: القواعد الحاكمة (القانون الكلي ودستور النظر)
قبل الشروع في بناء العقيدة، وضع الأشاعرة والماتريدية قواعد كُلية تحكم عملية الاستدلال وتضبط العلاقة بين الوحي والعقل، وهي بمثابة "الجدار الوقائي" للمنظومة
قاعدة دفع التعارض الظاهري (القانون الكلي)
تعتبر هذه القاعدة أهم القواعد الحاكمة؛ ومفادها أن العقل هو أصل النقل، لأننا بالعقل عرفنا وجود الإله، وبالعقل أثبتنا صدق النبي بالمعجزة. فإذا تعارض نص شرعي (ظني الدلالة) مع آية محكمة قطعية الدلالة و برهان عقلي قطعي، فإما أن يُؤول النص بما يوافق الآية المحكمة و العقل، أو يُفوض معناه إلى الله مع تنزيهه عن ظاهره
قاعدة التنزيه المطلق (مخالفة الحوادث)
وهي الانطلاق من الآية المحكمة: (ليس كمثله شيء) تعني هذه القاعدة أن كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك
الله تعالى متنزّه عن الجسمية، الجوهر والعرض، التحيز في المكان، جريان الزمان عليه، الجهات الست، الأعضاء، الأجزاء والأبعاض، الحدود، الغايات، وكل ما يقتضي مشابهة المخلوقات، لا يشبهه شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله
الله لا داخل العالم ولا خارجه
وصف الله بأنه "داخل العالم" أو "خارجه" هو فرع عن تصوره جسماً أو متحيزاً (أي يشغل حيزاً في الفراغ)، وهو ما ينفيه المتكلمون عقلاً. ومنطقهم كالتالي
الله ليس جسماً، وبما أن الله سبحانه ليس مادةً ولا يشغل حيزاً، فلا تجري عليه أحكام الجهات والمسافات (كالفوق، والتحت، والداخل، والخارج)؛ لأن هذه الأوصاف لا تعقل إلا في ماله أبعاد وحيّز، والقديم سبحانه منزه عن ذلك
. نفي المتناقضات المزعومة
يرى المتكلمون أن "الداخل والخارج" هما صفتان متقابلتان للأجسام فقط. فإذا انتفى أصل "الجسمية" عن الذات الإلهية، انتفت بالضرورة لوازمها (الجهات). لذا، فإن القول بأنه "لا داخل العالم ولا خارجه" ليس جمعاً بين النقيضين، بل هو تنزيهٌ للذات عما لا يليق بها من خصائص الحوادث
مثال تقريبي (خروج الصفة عن محل القابلية)
إذا سألت: "هل العدد (5) حزين أم سعيد؟" فالجواب المنطقي هو: "لا حزين ولا سعيد"؛ ليس لأنك تجمع بين النقيضين
لأن الحزن والسعادة من صفات الكائنات الحية التي تملك مشاعر، والعدد ليس محلاً للقابلية لهذه الصفات أصلاً
وعليه، فالخالق سبحانه؛ لما لم يكن جسماً، لم يصح عقلاً وصفه بـ "الدخول" أو "الخروج"، فهما صفتان تفتقران إلى (جسم ومكان)، والله غني عن العالمين
الجزء الثاني: المقدمات (نظرية المعرفة وبنية الوجود)
هذا القسم هو "التمهيد المنطقي" الذي يُبنى عليه إثبات وجود الله
مصادر العلم (نظرية المعرفة)
:يُقسم الأشاعرة و الماتريدية طرق العلم إلى ثلاثة
الحواس السليمة: وهي خمس (السمع، البصر، الشم، الذوق، اللمس)
العقل: وينقسم إلى "ضروري" (كالعلم بأن الكل أكبر من الجزء) و"نظري" (ما يحتاج لاستدلال وتفكير)
الخبر الصادق: ويشمل المتواتر (الذي يفيد العلم اليقيني) وخبر الرسول المؤيد بالمعجزة
:أحكام العقل الثلاثة (أدوات التصنيف)
كل فكرة تدخل عقل الإنسان يجب أن توضع في أحد هذه القوالب
أولاً: الأحكام العقلية (بالمعنى المنطقي الصرف)هذه الأحكام تصف علاقة "الفكرة" بالعقل، هل يقبلها أم يرفضها أم يتوقف فيها؟
الواجب عقلاً
هو ما لا يمكن للعقل أن يتخيل "عدمه". أي أن نقيضه يؤدي إلى انهيار المنطق
مثال: "الواحد نصف الاثنين". لا يمكن لعقل أن يتخيل كون الواحد ليس نصف الاثنين مع بقاء الأرقام بقيمها
مثال: "الكل أكبر من الجزء". بديهية عقلية لا تحتاج لدليل، وعدمها مستحيل تصوره
المستحيل عقلاً
هو ما يستحيل وجوده لذاته بسبب التناقض الداخلي في مفهومه، بحيث لا يمكن تصوّر وجوده دون الوقوع في اجتماع النقيضين أو رفعهما. فالعقل يحكم باستحالته حكماً ضرورياً، ما كانت ذاته مشتملة على تناقض، فاستحال وجوده في أي فرض أو عالم أو ظرف. ولذلك يقال: ليس شيئًا في الحقيقة، بل تركيب ألفاظ متناقضة لا تدل على معنى ممكن التحقق
:أمثلة
اجتماع النقيضين: أن يكون الشيء موجودًا وغير موجود في الوقت نفسه ومن الجهة نفسها
أن يكون الجزء أكبر من الكل
أو كقول مربع مستدير
أو عدد زوجي وفردي في آن واحد
:يُستخدم في رد الأسئلة المتناقضة مثل
هل يمكن لله خلق صخرة لا يمكن حملها؟
الجواب: هذا سؤال مبني على تركيب متناقض، لأنه يجمع بين كمال القدرة ورفعها في آن واحد، فيكون من باب المستحيل لذاته. والقدرة تتعلق بالممكنات، لا بالمستحيلات الذاتية، لأن المستحيل ليس شيئًا قابلاً للوجود أصلًا
الجائز أو الممكن عقلاً
هو ما يمكن للعقل أن يتخيل "وجوده" أو "عدمه" دون أن يقع في تناقض
مثال: "أن تمطر السماء ذهباً". العقل لا يرفض الفكرة لذاتها (فالذهب مادة والمطر حركة)، لكن الواقع هو الذي لم يحدث فيه ذلك
مثال: "طيران الإنسان بجناحين". العقل يتصور ذلك (كما في أفلام الخيال)، وعدم حدوثه لا يكسر قواعد المنطق
الجزء الثاني: الإلهيات (الذات والصفات والأفعال)
هنا صلب العقيدة، ويُطبق فيه التقسيم الثلاثي (واجب، مستحيل، جائز)
الواجب عقلا (في حق الله)
هو ما يجب إثباته لله تعالى ولا يجوز عقلاً ولا شرعاً نفيه عنه
مثال: "وجود الله". الله هو "واجب الوجود"؛ لأن وجود الكون (الممكن) يفتقر إلى موجد (واجب) ينهي سلسلة التسلسل
مثال: "صفة العلم". يستحيل شرعاً وعقلاً أن يكون الخالق جاهلاً، فالعلم واجب له
:ما يجب في حق الله تعالى ينقسم الواجب إلى
الصفة النفسية: (الوجود) وهي ليست صفة زائدة على الذات بل هي الذات نفسها
الصفات السلبية: (القدم: لا بداية له، البقاء: لا نهاية له، القيام بالنفس: لا يحتاج لغيره، الوحدانية: لا شريك له، المخالفة للحوادث: لا يشبه خلقه)
صفات المعاني: (العلم، الإرادة، القدرة، الحياة، السمع، البصر، الكلام، وزاد الماتريدية صفة التكوين). وهذه صفات قديمة قائمة بذاته تعالى
الصفات المعنوية: وهي ملازمة لصفات المعاني (كونه عالماً، مريداً، قديراً، حيا، سميعا، بصيرا، متكلما، مكونا)
المستحيل عقلا (في حق الله)
هو كل ما يستحيل اتصاف الله به لأنه ينافي كماله أو يؤدي إلى تناقض
مثال: "الشريك". وجود إلهين مستحيل؛ لأنه لو أراد أحدهما تحريك جسم وأراد الآخر تسكينه، فإما أن ينفذ مرادهما معاً (اجتماع نقيضين) أو لا ينفذ (عجز كلاهما)، وكلاهما مستحيل
مثال: "العجز أو الموت". هذه نقائص تتنافى مع تعريف الإله الخالق
ما يستحيل في حق الله تعالى
يستحيل على الله أضداد الصفات الواجبة السابقة
يستحيل عليه العدم، والحدوث، والفناء
يستحيل عليه المماثلة للخلق (كالتجسيم، والتحيز في المكان، والحاجة إلى الزمان)
يستحيل عليه الجهل، والعجز، والكراهة (أن يُجبر على فعل شيء)، والموت، والصمم، والبكم
الجائز أو الممكن عقلا (في حق الله)
هو كل ما يفعله الله أو يتركه بمحض إرادته
مثال: "إرسال الرسل". الله ليس "مجبراً" عقلاً على إرسال رسول، بل هو فعل جائز فعله رحمةً بالبشر
مثال: "إثابة الطائع وعقاب العاصي". من جهة القدرة، الله قادر على كل شيء، لكنه أوجب على نفسه العدل والرحمة بمقتضى وعده الشرعي
ما يجوز في حق الله تعالى
يجوز في حقه سبحانه فعل كل ممكن أو تركه
خلق البشر، رزقهم، إماتتهم، إرسال الرسل، خلق الجنة والنار؛ كل هذه ممكنات وليست واجبات عقلية
عند الأشاعرة والماتريدية: لا يجب على الله شيء للعباد (حتى الصلاح والأصلح)، بل كل نقمة منه عدل، وكل نعمة منه فضل
مبحث الجواهر والأعراض (حدوث العالم)
هنا يثبت الأشاعرة و الماتريدية أن العالم حادث أي مخلوق
الجواهر: هي الأجسام أو الأجزاء التي تشغل حيزاً
الأعراض: هي الصفات الطارئة على الأجسام (كالألوان، والروائح، والحركة، والسكون، والصوت)
البرهان: بما أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض حادثة (تتغير)، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث؛ إذن العالم كله "ممكن" الوجود، والممكن لا بد له من "واجب" يرجح كفة وجوده على عدمه
مبحث أفعال العباد (القدر): وهو الركن السادس من أركان الإيمان، ويقوم على قاعدة أن الله تعالى هو "الخالق" الوحيد لكل شيء، وأن للعبد "كسباً" اختيارا وإرادة يصح به التكليف
شمولية الإرادة: لا يقع في ملك الله إلا ما أراد، فكل خير أو شر هو بتقدير الله وعلمه الأزلي
العدل الإلهي: وقوع المعاصي بإرادة الله (كوناً) لا يعني رضاه عنها (شرعاً)، فالإنسان مُحاسب على توجيه إرادته وقصده للفعل، وهو ما يُعرف بـ "الكسب"، وبذلك يجمع المذهب بين تمام القدرة الإلهية وتحقق المسؤولية البشرية
الجزء الثالث: النبوات (الرسل والمعجزات)
ما يجب في حق الرسل
يجب للرسل أربع صفات أساسية
الصدق: في كل ما يبلغونه عن الله
الأمانة: العصمة من الكذب والوقوع في الكبائر
التبليغ: إيصال كل ما أُمروا بإيصاله للناس
الفطانة: الذكاء وقوة الحجة للرد على المعارضين
ما يستحيل في حق الرسل
يستحيل عليهم أضداد الواجبات
الكذب، الخيانة (فعل المحرمات)، كتمان الرسالة، البلادة والضعف العقلي
كما يستحيل عليهم الأمراض المنفرة والعيوب المنفرة للناس عن اتباعهم
ما يجوز في حق الرسل
يجوز في حقهم كل ما هو من "الأعراض البشرية" التي لا تؤدي إلى نقص في مرتبتهم العلية
كالأكل، والشرب، والنوم، والزواج، والمرض الخفيف، والنسيان في غير التبليغ، والموت
إمكان البعثة والمعجزة
إرسال الرسل هو "جائز عقلاً" وليس واجباً، ولكنه "واجب شرعاً" بمقتضى وعد الله. والمعجزة هي التي تثبت صدق النبي، وهي أمر خارق للعادة يجريه الله على يد الأنبياء والرسل للتحدي
الجزء الرابع: السمعيات (الغيبيات المنقولة)
هذا الباب يختلف عن سابقيه في أن العقل لا يستقل بإدراكه، بل وظيفته هي إثبات أن هذه الأمور "ممكنة عقلاً"، فإذا جاء الخبر الصادق (القرآن والسنة) بوقوعها، صار التصديق بها واجب شرعاً
الإيمان بالملائكة: الإيمان بوجود أجسام قادرة على التشكل، لا يعصون الله ما أمرهم، ومنهم جبريل وميكائيل وحملة العرش
الإيمان بالكتب: الإيمان بأن الله أنزل كتباً على رسله (التوراة، الإنجيل، الزبور، الصحف) وأن القرآن هو خاتمها والمهيمن عليها، وهو كلام الله القديم
الموت وما بعده
سؤال الملكين وعذاب القبر ونعيمه: حق يجب الإيمان به
الروح: مبحث ماهية الروح، وهل هي جسم لطيف أم عرض (والأرجح التفويض في كنهها)
علامات الساعة الصغرى والكبرى
الحشر والجزاء
البعث: إعادة الأجسام بعينها يوم القيامة
الحساب والميزان: وزن الأعمال والصحف
الصراط: جسر حقيقي يمر عليه الناس فوق نار جهنم
الشفاعة: ثبوت الشفاعة العظمى للنبي ﷺ
المآل النهائي (الجنة والنار)
الوجود: الجنة والنار مخلوقتان الآن وموجودتان
الخلود: بقاؤهما أبدياً لا يفنيان ولا يفنى أهلهما
رؤية الله: إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، وهي رؤية بلا كيف ولا جهة ولا انحصار، لأن الرؤية "ممكنة" في كل موجود، والله موجود فيصح أن يُرى
موقف أهل السنة والجماعة الأشاعرة والماتريدية في الفساق يوم القيامة والإمامة
يؤمن أهل السنة والجماعة بعدم تخليد الفساق في النار خلافا للمعتزلة
ويؤمنون بعدم جواز الخروج على الحاكم خلافا للخوارج
ملخص المنظومة في كلمات: إن مذهب الأشاعرة والماتريدية هو محاولة لترجمة الإيمان الوحياني إلى لغة عقلية رصينة؛ تبدأ بضبط العقل (القواعد الحاكمة)، ثم الكون (المقدمات)، ثم إثبات الخالق وصفاته (الإلهيات)، ثم إثبات الإنبياء (النبوات)، ثم الإذعان للغيب (السمعيات)