أسباب سعة الرزق في ضوء الكتاب والسنة
الحمد لله الذي جعل الرزق بيده وحده، وقسمه بين عباده بحكمةٍ بالغة، وجعل للاستزاد منه أسباباً تجمع بين عمل الجوارح وإيمان القلوب ولما كان المسلم حريصاً على تحري البركة في ماله وولده، كان لزاماً عليه العودة إلى المنهج النبوي والآيات القرآنيّة ليفهم أسرار السعة والنماء إنّ قضية الرزق هي أكثر ما يشغل بال الإنسان وتتوق إليه نفسه، وفي خضم السعي المادي في الحياة، قد يغفل الكثيرون عن أن الرزق ليس مجرد جهدٍ عضلي أو ذكاءٍ دنيوي فحسب، بل هو عطاءٌ إلهي محكومٌ بسنن ربانية لقد رسم لنا الوحي الشريف من كتاب وسنة خارطة طريق واضحة المعالم، لا تكتفي بضمان الرزق بل تعدُ ببركته ونمائه سنستعرض أهم المفاتيح الشرعية والأسباب الإيمانية التي تفتح أبواب السماء، وتجلب سعة العيش، فهو القائل سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}
من الأسباب الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة، والتي تُعدُّ بمثابة مفاتيح للخير والبركة لكل من أراد حياةً طيبة ورزقاً مباركاً
الاستقامة
أحد أكبر أسباب زيادة الرزق، قال تعالى
(وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا)
[سورة الجن: 16-17]
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
[سورة الأعراف: 96]
(وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ)
[سورة المائدة: 66]
فالاستقامة تجمع الإيمان والعمل الصالح وترك المحرمات، وهي مفتاح البركات الظاهرة والباطنة
تقوى الله عز وجل وطاعته
قال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)
[سورة الطلاق: 2-3]
ومن أسباب الرزق كذلك تقوى الله وطاعته، فمن لازم التقوى جعل الله له فرجًا من كل ضيق، ويسر له أسباب العيش من حيث لا يحتسب
اتباع سنة النبي ﷺ
يقول عز وجل: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [سورة الأنفال 33]
اتباع سنة النبي ﷺ سبب للأمن من العذاب ونزول الرحمة وفي الاقتداء برسول الله ﷺ تمام الهداية وكمال البركة
الاستغفار
ويأتي الاستغفار في مقدمة الأسباب الجالبة للرزق، فقد قال نوح عليه السلام لقومه (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارً )
[سورة نوح: 10-12]
فربط سيدنا نوح بين الاستغفار ونزول الغيث وكثرة المال والولد
التوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب
قال تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)
[سورة الطلاق: 3]
ومنها التوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب
فالمؤمن يجمع بين السعي المشروع والاعتماد القلبي على الله، فيكفيه الله ما أهمّه
شكر النعم
قال تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)
[سورة إبراهيم: 7]
وكذلك شكر النعم سبب لدوامها وزيادتها، فالشكر يحفظ الموجود ويجلب المفقود
صلة الرحم
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال
مَن سَرَّهُ أن يُبسَطَ له في رزقِه، وأن يُنسَأَ له في أثَرِه، فليَصِلْ رَحِمَه [رواه البخاري ومسلم]
ومن الأسباب العظيمة أيضًا صلة الرحم، فصلة الأرحام بركة في المال والعمر
الصدقة
كما أن الصدقة والإنفاق من أعظم أسباب مضاعفة الرزق، قال تعالى مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً [سورة البقرة: 245]
ورد في الحديث القدسي يا ابن آدم؛ أنفِقْ أُنفقْ عليك [رواه البخاري ومسلم]
الصلاة
(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ) :قال تعالى
[سورة طه: 132]
والمحافظة على الصلاة سبب للبركة والكفاية، فجعل الرزق مرتبطًا بالعبودية والطاعة
الزواج
قال عليه الصلاة والسلام
ثلاثة حق على الله عونهم المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف [أخرجه الترمذي والنسائي]
ومن أسباب العون والرزق كذلك الزواج بنية العفاف ، فمن قصد الحلال أعانه الله ويسّر له
التوسعة على العيال
وعن بلال رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له أَنْفِقْ بلالُ، ولا تَخْشَ من ذي العرشِ إقلالًا [أخرجه الطبراني]
إن التوسعة على الأهل والعيال والإنفاق عليهم سبب لزيادة الرزق، فالمنفق على أهله في طاعة الله لا ينقص ماله، بل يخلف الله عليه خيرًا منه
فهذه جملة من الأسباب الشرعية التي دل عليها الكتاب والسنة، وكلها ترجع إلى صدق العبودية وحسن الصلة بالله، فمن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله له ما
بينه وبين الناس وبارك له في رزقه وعمره، وجعل له من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا؛ إن مفاتيح الرزق التي أرشدنا إليها الوحي الشريف تجمع بين صلاح الظاهر بالعمل، وصلاح الباطن بالتقوى واليقين فمن أراد البركة في ماله، والنماء في عيشه، وطول الذكر في عقبه، فليلزم هذه الأبواب؛ من استغفارٍ وصلةٍ وإنفاقٍ واستقامة على أمر الله فالله عز وجل أكرم من أن يطرق عبده بابه بالعبادة ويرده خائباً
"مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15)"
سورة الحج
• رواية ابن عباس: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام عن عنبسة، عن أبي إسحاق الهمدانيّ، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس، عن قوله: ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ) قال: أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة، ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ) والسبب: الحَبْل، والسماء: سقف البيت، فليعلق حبلا في سماء البيت ثم ليختنق ( فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ) هذا الذي صنع ما يجد من الغيظ.
• قول مجاهد: "النصر" بمعنى الرزق والهاء راجعة إلى (من) ومعناه من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة نزلت فيمن أساء الظن بالله عز وجل وخاف ألا يرزقه الله "فليمدد بسبب إلى السماء" أي إلى سماء البيت فلينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ وهو خيفة أن لا يرزق.
الفعل المأمور به (على سبيل التعجيز والتوبيخ)
الخلاصة: الآية تخاطب من يسيء الظن بالله بأن الله لن يرزقه في الدنيا والآخرة؛ فحتى لو شنق نفسه، فإن ذلك لن يغير من مشيئة الله، والحل الوحيد هو العودة لتقوى الله وحسن الظن به بأن يرزقه في الدنيا والآخرة.
□️ نقيض الآية: الاستبشار واليقين
فإن نقيض الآية يتجلى في مفهوم:
- الاستبشار وحسن الظن بالله. إذا كانت الآية تصف من أساء الظن بالله بأن لن يرزقه، فنقيضها هو حسن الظن بالله بأن يرزقه.
-
قال تعالى:
"وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ"
بدلاً من سوء الظن بالله أن لن يرزقه، هنا نجد المخرج بل سيرزقه إذا اتقى الله بفعل الفرائض وترك المحرمات وحسن الظن بالله.