زمن الفتن والرويبضة
في هذا الزمان، ، ظهرت المحرمات والفواحش بشكل علني في كل مكان؛ في الشوارع العامة، وأماكن العمل، والجامعات والمدارس، والحدائق، والأسواق، والمطاعم، والمقاهي، حتى يكاد لا يخلو مكان من وجود المجاهرين بالفسق، ناهيك عن الأماكن المخصصة لذلك كدور السينما وما تعرضه من أفلام تحوي العديد من المحرمات، وصالات الرياضة المختلطة، ومنتجعات وشواطئ ومسابح التعري (البكيني) المختلطة، والخمارات والنوادي الليلية، وحفلات المغنيات والراقصات، فلا يخفى على أحد انتشار التبرج والتعري عند الإناث وانتشار الزنا والخمر والمال الحرام
إن هذا الزمن بالأخص هو زمن الفتن وزمن الرويبضة؛ حيث صار التافه يتكلم في أمر العامة في شؤون الدين والسياسة والوطن. ومما ساهم في انتشار ذلك كله وسائل الإعلام، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي، وظهور مذاهب وفرق لا تعد ولا تحصى، كل منها يدعي أنه الحق حصراً ويشككون العوام في دينهم. وكذلك المستشرقون الذين يسعون جاهدين لهدم ثوابت الإسلام بحجة تحديث الدين وأن الدين لا يصلح لهذا الزمان، بالتوازي مع وسائل الإعلام والترفيه التي تنشر التغريب والأفكار الدخيلة والعادات والتقاليد والثقافة الهجينة التي لم نسمع بها في الماضي، ومما لا يخفى على الجميع أن هذا الزمن فيه يؤتمن الخائن، ويخون الأمين، وفيه ينتشر الكذب والكاذبون، وفيه يكثر الهرج (القتل)
الفتن تتراوح ما بين نشر للفسق والفجور، وما بين نشر للشرك والكفر؛ لذا فليسعك بيتك. فهذا هو الزمان الذي يُنصح فيه بلزوم البيت قدر الإمكان، وأن تأخذ ما تعرف وتدع ما تنكر، وتركز على خاصة نفسك وتدع عنك أمر العامة كما جاء في الحديث النبوي الشريف. فهذا الزمان يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن، فالواجب على كل مسلم العزلة عن الأماكن التي تحتوي على محرمات
قال الإمام الخطابي في كتاب العزلة
ولسنا نريدُ - رَحِمَكَ اللهُ - بهذِه العُزْلَةِ التي نختارُها مفارقةَ الناسِ في الجماعاتِ والجمعاتِ، وتركَ حقوقِهم في العباداتِ، وإفشاءَ السلامِ، ردَّ التحياتِ، وما جرى مَجْراها من وظائفِ الحقوقِ الواجبةِ لهم، ووضائعِ السُّنَنِ والعاداتِ المستحسنةِ فيما بينهم؛ فإنَّها مستثناةٌ بشرائطِها، جاريةٌ على سُبُلِها، ما لم يَحُلْ دونَها حائِلُ شُغُلٍ، ولا يمنعْ عنها مانعُ عُذْرٍ، إنما نريدُ بالعُزْلَةِ تركَ فُضُولِ الصُّحْبَةِ، ونَبْذَ الزِّيادَةِ منها، وحطَّ العِلاوَةِ التي لا حاجةَ بكَ إليها.
فإنَّ مَن جرى في صحبةِ الناسِ والاستكثارِ من معرفتِهم، على ما يدعو إليه شَعَفُ النفوسِ، وإِلْفُ العاداتِ؛ وتَرْكُ الاقتصادِ فيها، والاقتصارِ الذي تدعوه الحاجةُ إليه، كان جديراً ألا يحمَدَ غِبَّهُ، وأنْ يستوخِمَ عاقبتَهُ؛ وكان سبيلُهُ في ذلك سبيلَ مَنْ يتناوَلُ الطعامَ في غيرِ أوانِ جوعِهِ، ويأخذُ منه فوقَ قَدْرِ حاجته، فإنَّ ذلك لا يُلْبِثُهُ أنْ يقعَ في أمراضٍ مُدْنِفَةٍ، وأسقامٍ متلفةٍ وليس مَنْ عَلِمَ كَمَنْ جَهِلَ، ولا مَنْ جَرَّبَ وامْتُحِنَ كَمَنْ بادَهَ وخاطَرَ؛ وللهِ دَرُّ أبي الدَّرْداءِ حين يقولُ: «وَجَدْتُّ الناسَ أخْبُرْ تَقْلِهْ».
والعُزْلة عند الفتنة سُنَّةُ الأنبياءِ، وعِصْمَةُ الأولياءِ، وسيرةُ الحكماء الألِبّاء والأولياءِ، فلا أَعْلَمُ لِمَنْ عابها عُذْراً، لا سيما في هذا الزمان القليل خيرُهُ، البكيءِ دَرُّهُ، وبالله نستعيذُ من شرِّهِ وَرَيْبِهِ.
فتن اخر الزمن
1. نقض عرى الإسلام
عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإِسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّما انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بالَّتِي تَلِيها، وأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الحُكْمُ، وآخِرُهُنَّ الصَّلاةُ. (رواه أحمد وابن حبان)
2. ظهور الزنا والربا والخمر
قال ﷺ: بين يدي الساعةِ يظهر الرِّبا والزِّنا والخمرُ. (الراوي: عبدالله بن مسعود)
3. ظهور المتبرجات والسافرات والعاريات
قال ﷺ: سيكونُ في آخِرِ أُمَّتي رجالٌ يَركَبونَ على سُروجٍ كأشباهِ الرِّحالِ، يَنزِلونَ على أبوابِ المسجدِ، نساؤُهم كاسياتٌ عارياتٌ على رؤوسِهِنَّ كأسنِمةِ البُختِ العِجافِ، العنوهُنَّ فإنَّهُنَّ ملعوناتٌ، لو كانت وراءَكم أُمَّةٌ منَ الأممِ لَخدَمَهُنَّ نساؤُكم كما خَدَمَكم نساءُ الأممِ قَبلَكم. (الراوي: عبدالله بن عمرو)
4. عدم المبالاة بمصدر المال
قال ﷺ: ليأتينَّ على الناسِ زمانٌ، لا يُبالي المرءُ بما أخَذ المالَ، أمِنَ الحلالِ أم مِنَ الحرامِ. (رواه البخاري)
5. ظهور الفحش والتفاحش والقطيعة
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش، والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء الجوار.
6. السنوات الخداعات ونطق الرويبضة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». قيل: وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة». (رواه أحمد وابن ماجه)
7. دعاة دين إلى نار جهنم
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الخَيْرِ، وكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّا كُنَّا في جاهِلِيَّةٍ وشَرٍّ، فَجاءَنا اللَّهُ بهذا الخَيْرِ، فَهلْ بَعْدَ هذا الخَيْرِ مِن شَرٍّ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلتُ: وهلْ بَعْدَ ذلكَ الشَّرِّ مِن خَيْرٍ؟ قالَ: نَعَمْ، وفيهِ دَخَنٌ، قُلتُ: وما دَخَنُهُ؟ قالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بغيرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ منهمْ وتُنْكِرُ، قُلتُ: فَهلْ بَعْدَ ذلكَ الخَيْرِ مِن شَرٍّ؟ قالَ: نَعَمْ، دُعاةٌ إلى أبْوابِ جَهَنَّمَ، مَن أَجابَهُمْ إلَيْها قَذَفُوهُ فيها، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لنا؟ قالَ: هُمْ مِن جِلْدَتِنا، ويَتَكَلَّمُونَ بأَلْسِنَتِنا، قُلتُ: فَما تَأْمُرُنِي إنْ أدْرَكَنِي ذلكَ؟ قالَ: تَلْزَمُ جَماعَةَ المُسْلِمِينَ وإمامَهُمْ، قُلتُ: فإنْ لَمْ يَكُنْ لهمْ جَماعَةٌ ولا إمامٌ؟ قالَ: فَاعْتَزِلْ تِلكَ الفِرَقَ كُلَّها، ولو أَنْ تَعَضَّ بأَصْلِ شَجَرَةٍ، حتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وأَنْتَ علَى ذلكَ. (رواه البخاري ومسلم)
8. قبض العلم واتخاذ الرؤوس الجهال
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَمَاءِ، حتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فأفْتَوْا بغيرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا. (رواه البخاري ومسلم)
9. انتشار الكذابين
عن جابر بن سمرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: إنَّ بيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ فَاحْذَرُوهُمْ. (رواه مسلم)
10. الهرج ونزع العقول
قال ﷺ: «إنَّ بيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَهَرْجًا»، قالوا: ومَا الهَرْجُ؟ قالَ: «القَتْلُ، ما هو بقَتْلِ المُشْرِكِينَ، ولَكِنْ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، حتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جارَهُ، ويَقْتُلَ أخاهُ، ويَقْتُلَ عَمَّه، ويَقْتُلَ ابْنَ عَمِّهِ». قالوا: ومعَنا عُقُولُنا يَومَئذٍ؟ قالَ: إنَّه لَتُنْزَعُ عُقُولُ أهْلِ ذلكَ الزَّمانِ، ويَخْلُفُ له غُبارٌ مِنَ النَّاسِ، يَحْسَبُونَ أنَّهم علَى شيءٍ، ولَيْسُوا علَى شيء.
11. ضياع الأمانة بين الناس
قال ﷺ: يصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً. (متفق عليه)
12. تقارب الزمان وظهور الفتن
قال ﷺ: يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويُلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج. (متفق عليه)
13. بيع الدين بعرض من الدنيا
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: بَادِرُوا بالأعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ويُمْسِي كَافِرًا، أوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا ويُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا. (رواه مسلم)
14. التسافد في الطرقات
قال ﷺ: لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطريق تسافد الحمير. (رواه ابن حبان)
15. تداعي الأمم ووهن القلوب
قال ﷺ: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ». قالوا: وما الوهن؟ قال: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ.
16. غربة الإسلام
قال ﷺ: بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. (رواه مسلم)
النجاة في زمن الفتن
منهج السلامة والاعتصام النبوي
لزوم الجماعة أو الاعتزال
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان الناسُ يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر مخافة أن يدركني... (إلى أن قال): قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.
الزم بيتك وأصلح نفسك
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا (وشبك بين أصابعه) فالزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة.
الفرار بالدين
قال ﷺ: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن.
جامع أبواب النجاة
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك.
حقيقة الدنيا
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبيَّ فقال: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما. رواه الترمذي
عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء. رواه الترمذي