في البداية لا بد لنا من تبين بعض المصطلحات وتخصصات الشريعة الإسلامية
المحقق في العقيدة
نطاق التخصص: أصول الدين والرد على الشبهات
المفسر
نطاق التخصص: بيان مراد الله في آياته
المحدث أو الحافظ
نطاق التخصص: نقد الأسانيد والمتون
قد يحفظ مئات الأحاديث لكنه لا يملك آلة الاستنباط التي تمكنه من الجمع بين الأحاديث المتعارضة ظاهرياً
المؤرخ
نطاق التخصص: سياق الأحداث والسير
عمله إخباري استقصائي، وليس إنشائي للأحكام
الصوفي
نطاق التخصص: الأخلاق والرقائق
يركز على تزكية النفس وعزائم الأمور والمجاهدة
الفقيه
نطاق التخصص: معرفة فروع الأحكام العملية (العبادات، المعاملات، الأسرة، الجنايات)
طبيعة العمل: هو تنزيل القواعد على الجزئيات وتطبيقها على المسائل؛ يعرف شروط الصلاة، وتفاصيل البيوع، وأحكام المواريث بدقة وتفصيل
الأصولي
نطاق التخصص: الاستنباط ومنطق التشريع
طبيعة العمل: يضع "المعيار" الذي يُقاس به كل شيء؛ يبحث في دلالات الألفاظ (الأمر، النهي، العام، الخاص) وكيفية التعامل مع الأدلة إذا تعارضت
الفقيه المقارن
نطاق التخصص: المذاهب الفقهية المتعددة، وأدلتها، وأوجه الاختلاف والاتفاق بينها
طبيعة العمل: هو الخبير "بالموازنة والترجيح"؛ يدرس المسألة الواحدة عند أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ويحلل أدلة كل فريق ليقف على القول الأقوى دليلاً
وهؤلاء ليسوا مفتين سواء كانوا طلاب علم أو حتى علماء
المفتي
أما المفتي فهو عالمٌ بالفقه وأصوله والفقهِ المقارن، وليس كلُّ فقيهٍ أو أصولي أو فقيه مقارن يعد مفتياً
فخلط المفاهيم بين العالم والمفتي هو أحد أسباب الفوضى الفكرية التي نراها أحياناً، فالعلم الشرعي بحرٌ واسع، والتخصص فيه ضرورة
إن التخصص في العلم الشرعي ضرورة لمنع الفوضى الفكرية. فبينما يضبط الأصولي (منهاج الاستدلال)، ويجمع الفقيه (الفروع الموروثة)، ويوازن الفقيه المقارن (بين المذاهب والأدلة)؛ ينفرد المفتي بملكَةِ (التنزيل). فهو الوحيد الذي يملك آلة (تكييف النازلة) وربطها بالحكم الأنسب لزمانها ومكانها، مراعياً مآلات الأفعال ومقاصد الشريعة
الفرق بين الفقيه والمفتي
الفقيه يعرف الأحكام الفقهية للمسائل و أقوال مذهبه الفقهي، أما المفتي فهو فقيهٌ وزيادة، يملك القدرة على "تكييف" الواقعة الجديدة التي لم ترد في الكتب وربطها بالحكم المناسب مع مراعاة مآلات الأفعال وتغير الزمان
الفرق بين الأصولي والمفتي
الأصولي هو "مُنظّر" للقواعد الكلية، يضبط منهجية التفكير الفقهي، لكنه قد لا يشتغل بتنزيل هذه القواعد على آلاف المسائل الفرعية
والحوادث اليومية
الفرق بين الفقيه المقارن والمفتي
الفقيه المقارن عمله ينصبُّ على "المقارنة النظرية" بين الأقوال والأدلة في بطون الكتب، بينما المفتي يتجاوز ذلك إلى "الاختيار العملي" للقول الذي يصلح للتطبيق في نازلة معينة، مراعياً مآلات الأفعال وتغير الزمان والمكان
لماذا لا يُعد كل عالم مفتياً؟
الفرق الجوهري يكمن في التنزيل فبينما يركز العلماء الآخرون على استنباط الحقائق، التوثيق، أو شرح المتون، يركز المفتي على كيفية إسقاط الحكم الشرعي على واقعة متغيرة ومعقدة
يختص المفتي بامتلاك مَلَكة الاجتهاد، وهي رتبة تتركب من علوم الآلة وعلوم المقاصد، وتتجاوز مجرد النقل، لتشمل التخصصات الدقيقة التالية
تحقيق المَناط (فقه الواقع)
هذا هو أخصُّ وظائف المفتي؛ فبينما يشتغل الفقيه بـ تخريج المناط (استنباط العلة من النص)، يختص المفتي بـ تحقيق المناط في الواقع
مضمونه: هو القدرة على فحص الحادثة العينية (الواقعة)، وفهم خصائصها، وتكييفها شرعاً ليعلم تحت أي أصل تندرج فلا فتوى إلا بتصور تام للواقعة، إذ الحُكم على الشيء فرعٌ عن تصوره
اعتبار المآلات (سد الذرائع وفتحها)
يختص المفتي بالنظر في مآلات الأفعال، وهي مراعاة ما سيؤدي إليه تطبيق الحكم في الواقع
مضمونه: تفعيل قواعد سد الذرائع (منع المباح إذا أدى لمفسدة) أو فتح الذرائع (إجازة بعض الأمور لتحصيل مصلحة راجحة) المفتي لا ينظر للحكم في ذاته فقط، بل ينظر إلى أثره في حياة المستفتي والمجتمع، لئلا يؤدي تطبيق الحق إلى باطل أعظم
الكليات الخمس (مقاصد الشريعة)
يختص المفتي بضبط الفتوى بميزان المقاصد الضرورية
مضمونه: التحقق من أن الفتوى تدور في فلك حفظ (الدين، النفس، العقل، النسل، والمال) المفتي هو حارس هذه المقاصد، يقدّم الأهم عند التعارض، ويراعي الضرورات التي تبيح المحظورات، والحاجيات التي تنزل منزلة الضرورات
القواعد الفقهية الكلية (الأشباه والنظائر)
يختص المفتي بإدارة القواعد الكبرى التي تضبط الفروع المتناثرة
مضمونه: استخدام القواعد الخمس الكبرى (الأمور بمقاصدها، اليقين لا يزول بالشك، المشقة تجلب التيسير، الضرر يزال، العادة محكمة) كمفاتيح لحل المعضلات التي لم يرد فيها نص صريح أو قول مذهبي مباشر
رعاية الاستحسان والرخص الشرعية
يختص المفتي بمهارة العدول عن القياس الظاهر إلى قياس خفي أو مصلحة معتبرة
مضمونه: استخدام الاستحسان لترك الحكم العام في حالة خاصة استثنائية تحقيقاً للعدل، والقدرة على الانتقال من العزيمة إلى الرخصة عند وجود الأعذار الشرعية المعتبرة، رحمةً بالخلق وضبطاً لمنهج التيسير
فالمفتي هو المُجتهد الذي يجمع بين فقهِ النص (الأصول والفروع) وفقهِ التنزيل (المقاصد والمآلات وتحقيق المناط)؛ ليُصدرفتوى تطابقُ مرادَ الشارع في حق المكلفين
دور بقية العلماء وطلبة العلم (الناقلون)
هم ناقلون وهو الوصف الدقيق لحالة التبليغ فالعالم في التخصصات الأخرى (عقيدة، تفسير، حديث، سيرة، أخلاق) أو طالب العلم
ينقل الحكم يقول قال الفقهاء كذا أو فتوى المجمع الفقهي كذا
لا ينشئ حكماً: لا يجوز له إحداث قول جديد أو تكييف واقعة معقدة لم يسبقه إليها الفقهاء المجتهدون
التخصص والورع: قديماً قالوا من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب فالمحدث يصحح النص، والمفسر يشرح المعنى، لكن المفتي هو من يقرر كيف يُطبق هذا النص في حياة الناس اليوم
المفتي المطلق (المجتهد المستقل)
هذا هو المفتي بالمعنى الكامل للكلمة،؛ ويجب أن يكون مجتهداً بالضرورة
أدواته: يمتلك آلة الاستنباط كاملة (لغة، أصول، حديث، ناسخ ومنسوخ)
عمله: لا يقلد أحداً، بل يستخرج الحكم مباشرة من الكتاب والسنة
مثاله: أصحاب المذاهب الأئمة الأربعة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وداود الظاهري
المفتي المنتسب (مجتهد المذهب)
مع مرور الوقت، قلّ المجتهدون المطلقون، فظهر المفتي المنتسب
وهو عالم مجتهد في أصول إمامه، أي أنه لا يخرج عن قواعد مذهب معين (كالشافعية أو الحنفية مثلا)، لكنه يملك القدرة على استنباط أحكام للنوازل الجديدة بناءً على تلك القواعد، فهذا أيضاً يُسمى مفتياً لأنه يمارس عملية الاجتهاد داخل إطار المذهب
فالتجرؤ على مقام الإفتاء بغير الأدوات التي ذكرناها يشوه الدين
أبرز المواقف والكوارث الفقهية المعاصرة التي نتجت عن تعدي غير المؤهلين (أو من غابت عنهم الأدوات الأصولية) على مهنة الإفتاء
فتوى إرضاع الكبير
هذه الفتوى تعد النموذج الأبرز لما نسميه عدم الفهم الأصولي
الذي أفتى بذلك ليس بمفتٍ وتخصصه بالحديث لا بالفقه وأصوله، فقد كان رئيس قسم الحديث وعلومه بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر
استند إلى حديث سالم مولى أبي حذيفة لإثبات أن إرضاع الكبير يبيح الخلوة في أماكن العمل
الكارثة: إغفال قاعدة قصر الخاص على مورده. الفقهاء والأصوليون قرروا أن هذه واقعة عين (حالة خاصة) لظرف زماني ومكاني معين، ولا تُقاس عليها الأحكام العامة التي تشترط أن يكون الرضاع في الحولين (فترة الرضاعة)
النتيجة: موجة عارمة من السخرية، وهدم لمنظومة الحياء الاجتماعي بدعوى النص الحديثي دون الفهم الأصولي
فتاوى تحليل الربا
الذي أفتى هذه الفتوى تخصصه في التفسير وعلوم القرآن
ما حدث: خروج البعض بفتوى تحلل القروض الربوية الاستهلاكية بدعوى أنها عقد جديد لا ينطبق عليه وصف الربا
الكارثة: تحليل للحرام المجمع على تحريمه بين علماء الإسلام و يعد من المعلوم من الدين بالضرورة، القاعدة الفقهية تقول: كل قرض جرّ نفعاً (زيادة مالية) فهو ربا، سواء كان القرض لاستهلاك شخصي أو لاستثمار تجاري
النتيجة: توريط الملايين في ديون ربوية
فتاوى المساواة في الميراث
(التصادم مع النص القطعي)
التي أفتت بذلك هي أستاذةٌ تخصصها في العقيدة والفلسفة الإسلامية
ما حدث هو محاولة بعض الحداثيين المطالبة بالمساواة في الميراث بين الذكور و الإناث وهو ما يصطدم مع نص قرآني قطعي الدلالة: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ...}
الكارثة: الجهل بفرق القطعي والظني. المفتي الحقيقي يعرف أن الميراث نص قطعي الدلالة والثبوت لا مجال للاجتهاد فيه، فلا اجتهاد مع النص، وهذا مجمع عليه ومعلوم من الدين بالضرورة
النتيجة: إنكار مسألة مجمع عليها ومعلومة من الدين بالضرورة و زعزعة الثقة في مرجعية النص القرآني
فتوى التحلل من الصلاة والصيام (شطحات صوفية و علمانية)
الذي أفتى بهذه الفتوى تخصصه وإن كان في الفقه المقارن لكنه شذ وله تفسيرات للقرآن من ناحية حداثية فلا يعتد بها
تجرأ البعض ممن يزعمون الوصول لدرجة اليقين على إسقاط التكاليف
فهو ادعاء أن العبادات وسيلة، فإذا وصل الإنسان لصفاء النفس سقطت عنه الصلاة والفرائض
الكارثة: التعدي على معلوم من الدين بالضرورة هنا غاب المحقق والفقيه، وحل محله الهوى المتستر بالروحانية
النتيجة: خروج عن الشريعة تحت مسمى الحرية الروحية
لماذا وقعوا في هذه الكوارث؟
لأنهم تعدوا على مهنة الإفتاء و اختاروا من الدين ما يشتهون، فأغفلوا
السياق: متى ولماذا قيل هذا النص؟
المقاصد: ما هو الهدف الأسمى للشريعة ؟
الأصول: القواعد التي تضبط حركة العقل داخل النص
:كما نلاحظ، الكارثة تأتي دائماً من أحد طريقين
أولا: عالم غير متخصص في الفقه وأصوله بل متخصص في (العقيدة، أو التفسير، أو الحديث، أو الأخلاق، أو السيرة) يعتدي على الإفتاء دون التخصص في الفقه وأصوله والفقه المقارن
ثانيا: باحث حداثي يحاول إخضاع الشريعة لمنطق العصر دون احترام لمنهجية الاستنباط
دعوى دراسة الفقه وأصوله والفقه المقارن عند غير المتخصص
هؤلاء قد يكونون درسوا مبادئ أصول الفقه أو مقررات فقهية ضمن تكوينهم الشرعي العام، لكن شتان بين دراسة المادة وبين التخصص والتمكن من الملكة
كيف نرد على من يتبجح بدراسته العامة ليدعي الأهلية للفتوى
الفرق بين الدراسة والتخصص
كل طالب في كلية الطب يدرس الجراحة العامة، لكن هل يجرؤ طبيب العيون على إجراء عملية قلب مفتوح بحجة أنه درس الجراحة في السنة الثالثة؟
المفسر والمحدث يدرسون أصول الفقه كأداة لفهم النص وتوثيقه
الفقيه المفتي يدرس أصول الفقه كأداة لاستخراج الحكم وإسقاطه على الواقع
الفرق: الأول يستخدم الأصول للاستيعاب، والثاني يستخدمها للإنتاج
غياب الدُّربة والممارسة (الملكة الفقهية)
الفقه ليس مجرد نصوص تُحفظ، بل هو ملكة تتشكل بممارسة التفريع والقياس لسنوات طويلة
المحدث يقضي عمره في الرجال والعلل والأسانيد
المؤرخ يقضي عمره في نقد الروايات والمسالك التاريخية
هؤلاء، وإن درسوا الأصول، إلا أن عقولهم لم تتدرب على تكييف النازلة فعندما تأتيه مسألة في البورصة أو المعاملات البنكية أو المستجدات الطبية، سيعجز عن ربطها بالقواعد الكلية لأنه لم يمارس هذا الفن
الفقه المقارن اطلاع أم تَمَكُّن؟
الادعاء بدراسة الفقه المقارن هو فخ شائع
غير المتخصص يعرف أن هناك قولاً للشافعي وقولاً لأبي حنيفة (مُجرد نقل)
المفتي المختص يعرف لماذا اختلفوا؟ وما هي القاعدة الأصولية التي بنى عليها كل منهما؟ وهل تغيرت العلة في زماننا هذا أم لا؟
النتيجة: غير المتخصص سيختار القول الذي يعجبه (هوى)، أما المفتي سيختار القول الذي يحقق المقصد الشرعي (منهج)
لماذا يتبجحون بهذا القول؟
لأنهم يخلطون بين الثقافة الشرعية وبين الأهلية الفقهية
بريق الألقاب: كلمة دكتور أو عالم تعطيه شعوراً بالقدرة المطلقة على الكلام في كل شيء
غياب الرقابة المنهجية: في زمن الانفتاح الإعلامي، أصبح المتحدث اللبق يمرر بضاعته على أنها فقه، بينما هي مجرد رأي شخصي مغلف ببعض المصطلحات الأصولية
كلمة الفصل
لو سلمنا بأن كل من درس أصول الفقه في الجامعة صار مفتياً، لصار لدينا ملايين المفتين! الحقيقة أن المفتي هو من انقطع لهذا الفن، وعاش بين دهاليز الفروع والقواعد، وعركته الوقائع والفتوى، حتى صار الفقيه فيه يغلب على المحدث أو المفسر
يقول الإمام مالك: ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون من أهل المدينة أني أهلٌ لذلك (لاحظ شهد له أهل الاختصاص، ولم يشهد هو لنفسه بدارسته!)
المحقق في العقيدة
نطاق التخصص: أصول الدين والرد على الشبهات
المفسر
نطاق التخصص: بيان مراد الله في آياته
المحدث أو الحافظ
نطاق التخصص: نقد الأسانيد والمتون
قد يحفظ مئات الأحاديث لكنه لا يملك آلة الاستنباط التي تمكنه من الجمع بين الأحاديث المتعارضة ظاهرياً
المؤرخ
نطاق التخصص: سياق الأحداث والسير
عمله إخباري استقصائي، وليس إنشائي للأحكام
الصوفي
نطاق التخصص: الأخلاق والرقائق
يركز على تزكية النفس وعزائم الأمور والمجاهدة
الفقيه
نطاق التخصص: معرفة فروع الأحكام العملية (العبادات، المعاملات، الأسرة، الجنايات)
طبيعة العمل: هو تنزيل القواعد على الجزئيات وتطبيقها على المسائل؛ يعرف شروط الصلاة، وتفاصيل البيوع، وأحكام المواريث بدقة وتفصيل
الأصولي
نطاق التخصص: الاستنباط ومنطق التشريع
طبيعة العمل: يضع "المعيار" الذي يُقاس به كل شيء؛ يبحث في دلالات الألفاظ (الأمر، النهي، العام، الخاص) وكيفية التعامل مع الأدلة إذا تعارضت
الفقيه المقارن
نطاق التخصص: المذاهب الفقهية المتعددة، وأدلتها، وأوجه الاختلاف والاتفاق بينها
طبيعة العمل: هو الخبير "بالموازنة والترجيح"؛ يدرس المسألة الواحدة عند أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ويحلل أدلة كل فريق ليقف على القول الأقوى دليلاً
وهؤلاء ليسوا مفتين سواء كانوا طلاب علم أو حتى علماء
المفتي
أما المفتي فهو عالمٌ بالفقه وأصوله والفقهِ المقارن، وليس كلُّ فقيهٍ أو أصولي أو فقيه مقارن يعد مفتياً
فخلط المفاهيم بين العالم والمفتي هو أحد أسباب الفوضى الفكرية التي نراها أحياناً، فالعلم الشرعي بحرٌ واسع، والتخصص فيه ضرورة
إن التخصص في العلم الشرعي ضرورة لمنع الفوضى الفكرية. فبينما يضبط الأصولي (منهاج الاستدلال)، ويجمع الفقيه (الفروع الموروثة)، ويوازن الفقيه المقارن (بين المذاهب والأدلة)؛ ينفرد المفتي بملكَةِ (التنزيل). فهو الوحيد الذي يملك آلة (تكييف النازلة) وربطها بالحكم الأنسب لزمانها ومكانها، مراعياً مآلات الأفعال ومقاصد الشريعة
الفرق بين الفقيه والمفتي
الفقيه يعرف الأحكام الفقهية للمسائل و أقوال مذهبه الفقهي، أما المفتي فهو فقيهٌ وزيادة، يملك القدرة على "تكييف" الواقعة الجديدة التي لم ترد في الكتب وربطها بالحكم المناسب مع مراعاة مآلات الأفعال وتغير الزمان
الفرق بين الأصولي والمفتي
الأصولي هو "مُنظّر" للقواعد الكلية، يضبط منهجية التفكير الفقهي، لكنه قد لا يشتغل بتنزيل هذه القواعد على آلاف المسائل الفرعية
والحوادث اليومية
الفرق بين الفقيه المقارن والمفتي
الفقيه المقارن عمله ينصبُّ على "المقارنة النظرية" بين الأقوال والأدلة في بطون الكتب، بينما المفتي يتجاوز ذلك إلى "الاختيار العملي" للقول الذي يصلح للتطبيق في نازلة معينة، مراعياً مآلات الأفعال وتغير الزمان والمكان
لماذا لا يُعد كل عالم مفتياً؟
الفرق الجوهري يكمن في التنزيل فبينما يركز العلماء الآخرون على استنباط الحقائق، التوثيق، أو شرح المتون، يركز المفتي على كيفية إسقاط الحكم الشرعي على واقعة متغيرة ومعقدة
يختص المفتي بامتلاك مَلَكة الاجتهاد، وهي رتبة تتركب من علوم الآلة وعلوم المقاصد، وتتجاوز مجرد النقل، لتشمل التخصصات الدقيقة التالية
تحقيق المَناط (فقه الواقع)
هذا هو أخصُّ وظائف المفتي؛ فبينما يشتغل الفقيه بـ تخريج المناط (استنباط العلة من النص)، يختص المفتي بـ تحقيق المناط في الواقع
مضمونه: هو القدرة على فحص الحادثة العينية (الواقعة)، وفهم خصائصها، وتكييفها شرعاً ليعلم تحت أي أصل تندرج فلا فتوى إلا بتصور تام للواقعة، إذ الحُكم على الشيء فرعٌ عن تصوره
اعتبار المآلات (سد الذرائع وفتحها)
يختص المفتي بالنظر في مآلات الأفعال، وهي مراعاة ما سيؤدي إليه تطبيق الحكم في الواقع
مضمونه: تفعيل قواعد سد الذرائع (منع المباح إذا أدى لمفسدة) أو فتح الذرائع (إجازة بعض الأمور لتحصيل مصلحة راجحة) المفتي لا ينظر للحكم في ذاته فقط، بل ينظر إلى أثره في حياة المستفتي والمجتمع، لئلا يؤدي تطبيق الحق إلى باطل أعظم
الكليات الخمس (مقاصد الشريعة)
يختص المفتي بضبط الفتوى بميزان المقاصد الضرورية
مضمونه: التحقق من أن الفتوى تدور في فلك حفظ (الدين، النفس، العقل، النسل، والمال) المفتي هو حارس هذه المقاصد، يقدّم الأهم عند التعارض، ويراعي الضرورات التي تبيح المحظورات، والحاجيات التي تنزل منزلة الضرورات
القواعد الفقهية الكلية (الأشباه والنظائر)
يختص المفتي بإدارة القواعد الكبرى التي تضبط الفروع المتناثرة
مضمونه: استخدام القواعد الخمس الكبرى (الأمور بمقاصدها، اليقين لا يزول بالشك، المشقة تجلب التيسير، الضرر يزال، العادة محكمة) كمفاتيح لحل المعضلات التي لم يرد فيها نص صريح أو قول مذهبي مباشر
رعاية الاستحسان والرخص الشرعية
يختص المفتي بمهارة العدول عن القياس الظاهر إلى قياس خفي أو مصلحة معتبرة
مضمونه: استخدام الاستحسان لترك الحكم العام في حالة خاصة استثنائية تحقيقاً للعدل، والقدرة على الانتقال من العزيمة إلى الرخصة عند وجود الأعذار الشرعية المعتبرة، رحمةً بالخلق وضبطاً لمنهج التيسير
فالمفتي هو المُجتهد الذي يجمع بين فقهِ النص (الأصول والفروع) وفقهِ التنزيل (المقاصد والمآلات وتحقيق المناط)؛ ليُصدرفتوى تطابقُ مرادَ الشارع في حق المكلفين
دور بقية العلماء وطلبة العلم (الناقلون)
هم ناقلون وهو الوصف الدقيق لحالة التبليغ فالعالم في التخصصات الأخرى (عقيدة، تفسير، حديث، سيرة، أخلاق) أو طالب العلم
ينقل الحكم يقول قال الفقهاء كذا أو فتوى المجمع الفقهي كذا
لا ينشئ حكماً: لا يجوز له إحداث قول جديد أو تكييف واقعة معقدة لم يسبقه إليها الفقهاء المجتهدون
التخصص والورع: قديماً قالوا من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب فالمحدث يصحح النص، والمفسر يشرح المعنى، لكن المفتي هو من يقرر كيف يُطبق هذا النص في حياة الناس اليوم
المفتي المطلق (المجتهد المستقل)
هذا هو المفتي بالمعنى الكامل للكلمة،؛ ويجب أن يكون مجتهداً بالضرورة
أدواته: يمتلك آلة الاستنباط كاملة (لغة، أصول، حديث، ناسخ ومنسوخ)
عمله: لا يقلد أحداً، بل يستخرج الحكم مباشرة من الكتاب والسنة
مثاله: أصحاب المذاهب الأئمة الأربعة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وداود الظاهري
المفتي المنتسب (مجتهد المذهب)
مع مرور الوقت، قلّ المجتهدون المطلقون، فظهر المفتي المنتسب
وهو عالم مجتهد في أصول إمامه، أي أنه لا يخرج عن قواعد مذهب معين (كالشافعية أو الحنفية مثلا)، لكنه يملك القدرة على استنباط أحكام للنوازل الجديدة بناءً على تلك القواعد، فهذا أيضاً يُسمى مفتياً لأنه يمارس عملية الاجتهاد داخل إطار المذهب
فالتجرؤ على مقام الإفتاء بغير الأدوات التي ذكرناها يشوه الدين
أبرز المواقف والكوارث الفقهية المعاصرة التي نتجت عن تعدي غير المؤهلين (أو من غابت عنهم الأدوات الأصولية) على مهنة الإفتاء
فتوى إرضاع الكبير
هذه الفتوى تعد النموذج الأبرز لما نسميه عدم الفهم الأصولي
الذي أفتى بذلك ليس بمفتٍ وتخصصه بالحديث لا بالفقه وأصوله، فقد كان رئيس قسم الحديث وعلومه بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر
استند إلى حديث سالم مولى أبي حذيفة لإثبات أن إرضاع الكبير يبيح الخلوة في أماكن العمل
الكارثة: إغفال قاعدة قصر الخاص على مورده. الفقهاء والأصوليون قرروا أن هذه واقعة عين (حالة خاصة) لظرف زماني ومكاني معين، ولا تُقاس عليها الأحكام العامة التي تشترط أن يكون الرضاع في الحولين (فترة الرضاعة)
النتيجة: موجة عارمة من السخرية، وهدم لمنظومة الحياء الاجتماعي بدعوى النص الحديثي دون الفهم الأصولي
فتاوى تحليل الربا
الذي أفتى هذه الفتوى تخصصه في التفسير وعلوم القرآن
ما حدث: خروج البعض بفتوى تحلل القروض الربوية الاستهلاكية بدعوى أنها عقد جديد لا ينطبق عليه وصف الربا
الكارثة: تحليل للحرام المجمع على تحريمه بين علماء الإسلام و يعد من المعلوم من الدين بالضرورة، القاعدة الفقهية تقول: كل قرض جرّ نفعاً (زيادة مالية) فهو ربا، سواء كان القرض لاستهلاك شخصي أو لاستثمار تجاري
النتيجة: توريط الملايين في ديون ربوية
فتاوى المساواة في الميراث
(التصادم مع النص القطعي)
التي أفتت بذلك هي أستاذةٌ تخصصها في العقيدة والفلسفة الإسلامية
ما حدث هو محاولة بعض الحداثيين المطالبة بالمساواة في الميراث بين الذكور و الإناث وهو ما يصطدم مع نص قرآني قطعي الدلالة: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ...}
الكارثة: الجهل بفرق القطعي والظني. المفتي الحقيقي يعرف أن الميراث نص قطعي الدلالة والثبوت لا مجال للاجتهاد فيه، فلا اجتهاد مع النص، وهذا مجمع عليه ومعلوم من الدين بالضرورة
النتيجة: إنكار مسألة مجمع عليها ومعلومة من الدين بالضرورة و زعزعة الثقة في مرجعية النص القرآني
فتوى التحلل من الصلاة والصيام (شطحات صوفية و علمانية)
الذي أفتى بهذه الفتوى تخصصه وإن كان في الفقه المقارن لكنه شذ وله تفسيرات للقرآن من ناحية حداثية فلا يعتد بها
تجرأ البعض ممن يزعمون الوصول لدرجة اليقين على إسقاط التكاليف
فهو ادعاء أن العبادات وسيلة، فإذا وصل الإنسان لصفاء النفس سقطت عنه الصلاة والفرائض
الكارثة: التعدي على معلوم من الدين بالضرورة هنا غاب المحقق والفقيه، وحل محله الهوى المتستر بالروحانية
النتيجة: خروج عن الشريعة تحت مسمى الحرية الروحية
لماذا وقعوا في هذه الكوارث؟
لأنهم تعدوا على مهنة الإفتاء و اختاروا من الدين ما يشتهون، فأغفلوا
السياق: متى ولماذا قيل هذا النص؟
المقاصد: ما هو الهدف الأسمى للشريعة ؟
الأصول: القواعد التي تضبط حركة العقل داخل النص
:كما نلاحظ، الكارثة تأتي دائماً من أحد طريقين
أولا: عالم غير متخصص في الفقه وأصوله بل متخصص في (العقيدة، أو التفسير، أو الحديث، أو الأخلاق، أو السيرة) يعتدي على الإفتاء دون التخصص في الفقه وأصوله والفقه المقارن
ثانيا: باحث حداثي يحاول إخضاع الشريعة لمنطق العصر دون احترام لمنهجية الاستنباط
دعوى دراسة الفقه وأصوله والفقه المقارن عند غير المتخصص
هؤلاء قد يكونون درسوا مبادئ أصول الفقه أو مقررات فقهية ضمن تكوينهم الشرعي العام، لكن شتان بين دراسة المادة وبين التخصص والتمكن من الملكة
كيف نرد على من يتبجح بدراسته العامة ليدعي الأهلية للفتوى
الفرق بين الدراسة والتخصص
كل طالب في كلية الطب يدرس الجراحة العامة، لكن هل يجرؤ طبيب العيون على إجراء عملية قلب مفتوح بحجة أنه درس الجراحة في السنة الثالثة؟
المفسر والمحدث يدرسون أصول الفقه كأداة لفهم النص وتوثيقه
الفقيه المفتي يدرس أصول الفقه كأداة لاستخراج الحكم وإسقاطه على الواقع
الفرق: الأول يستخدم الأصول للاستيعاب، والثاني يستخدمها للإنتاج
غياب الدُّربة والممارسة (الملكة الفقهية)
الفقه ليس مجرد نصوص تُحفظ، بل هو ملكة تتشكل بممارسة التفريع والقياس لسنوات طويلة
المحدث يقضي عمره في الرجال والعلل والأسانيد
المؤرخ يقضي عمره في نقد الروايات والمسالك التاريخية
هؤلاء، وإن درسوا الأصول، إلا أن عقولهم لم تتدرب على تكييف النازلة فعندما تأتيه مسألة في البورصة أو المعاملات البنكية أو المستجدات الطبية، سيعجز عن ربطها بالقواعد الكلية لأنه لم يمارس هذا الفن
الفقه المقارن اطلاع أم تَمَكُّن؟
الادعاء بدراسة الفقه المقارن هو فخ شائع
غير المتخصص يعرف أن هناك قولاً للشافعي وقولاً لأبي حنيفة (مُجرد نقل)
المفتي المختص يعرف لماذا اختلفوا؟ وما هي القاعدة الأصولية التي بنى عليها كل منهما؟ وهل تغيرت العلة في زماننا هذا أم لا؟
النتيجة: غير المتخصص سيختار القول الذي يعجبه (هوى)، أما المفتي سيختار القول الذي يحقق المقصد الشرعي (منهج)
لماذا يتبجحون بهذا القول؟
لأنهم يخلطون بين الثقافة الشرعية وبين الأهلية الفقهية
بريق الألقاب: كلمة دكتور أو عالم تعطيه شعوراً بالقدرة المطلقة على الكلام في كل شيء
غياب الرقابة المنهجية: في زمن الانفتاح الإعلامي، أصبح المتحدث اللبق يمرر بضاعته على أنها فقه، بينما هي مجرد رأي شخصي مغلف ببعض المصطلحات الأصولية
كلمة الفصل
لو سلمنا بأن كل من درس أصول الفقه في الجامعة صار مفتياً، لصار لدينا ملايين المفتين! الحقيقة أن المفتي هو من انقطع لهذا الفن، وعاش بين دهاليز الفروع والقواعد، وعركته الوقائع والفتوى، حتى صار الفقيه فيه يغلب على المحدث أو المفسر
يقول الإمام مالك: ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون من أهل المدينة أني أهلٌ لذلك (لاحظ شهد له أهل الاختصاص، ولم يشهد هو لنفسه بدارسته!)