أصل فكر الخوارج المعاصر
تعد الحدادية أصل فكر الخوارج المعاصر، والحدادية فرقة تنسب مباشرة إلى محمود بن محمد الحداد، وهو مصري الجنسية كان يقيم في المملكة العربية السعودية (وتحديداً في المدينة المنورة) في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات
ظهرت هذه الفتنة وهذا التيار تحديداً في بداية التسعينيات (حوالي عام 1992 - 1993) داخل أروقة المدرسة الوهابية في المدينة المنورة، وأحدثت ضجة كبرى في ذلك الوقت قبل أن يتم قمعها علمياً
انشقاقهم عن الوهابية التيمية وتكفير علماء الإسلام
الحدادية بدأت كتطرف داخل مذهب الوهابية نفسها، حيث ادعى الحداد الغيرة على السنة، لكنه سلك مسلكاً تكفيرياً تبديعياً هدم فيه الأمة
تكفير وتبديع علماء الإسلام التاريخيين
قام محمود الحداد بتأليف كتب يهاجم فيها أئمة الإسلام الكبار التاريخيين الذين لهم مكانة عظيمة عند الوهابية، مثل الحافظ ابن حجر العسقلاني (صاحب فتح الباري) والإمام النووي (شارح صحيح مسلم) والإمام البيهقي، وقام بتبديعهم وتكفيرهم، ودعا إلى حرق كتبهم (مثل فتح
الباري وشرح صحيح مسلم) وعدم قراءتها
تكفير علماء العصر
لم يكتفِ بعلماء التاريخ، بل هاجم وأسقط وفسّق علماء الوهابية المعاصرين في التسعينيات الذين خالفوه، مثل الشيخ ابن باز، والشيخ ربيع بن هادي المدخلي (الذي كان من أبرز من ردوا عليه وألفوا كتباً في كشف عواره)
ملامح الفكر الحدادي (لماذا عُدّوا انشقاقاً خبيثاً؟)
القول بتكفير أو تبديع كل من وقع في زلة أو خطأ في العقيدة حتى لو كان من كبار أئمة الإسلام الذين خدموا السنة
عشق الهجر والتبديع إطلاق الأحكام بالتبديع على المعينين والمجتمعات دون ضوابط
مماثلة الخوارج (الحرورية) رغم ادعائهم السلفية، إلا أن العلماء وصفوهم بأنهم ثوب جديد للخوارج لأن النتيجة النهائية لفكرهم هي إسقاط علماء الأمة وتجهيلهم وتكفيرهم، مما يترك الشباب بلا مرجعية فيسهل سوقهم للتكفير العام
تكفير علماء الإسلام يسبب الإلحاد
تكفير العلماء حذر منه محققو العلماء، ويُعرف اليوم في دراسات الفكر المعاصر بـمآلات الغلو أو التكفير العكسي، إسقاط علماء الأمة — سواء التاريخيين كابن حجر والنووي، أو المعاصرين— لا يقف عند حدود تبديع شخص، بل يمتد ليهدم الدين ككل في وعي المسلم البسيط، وذلك لعدة أسباب
قطع سلسلة السند والثقة بالدين
الإسلام دين يُنقل بالتلقي والأسانيد؛ فالقرآن والسنة وصلا إلينا عبر قرون من خلال هؤلاء العلماء الذين أفنوا أعمارهم في تنقيح الآثار وفهم الأحكام عندما يأتي تيار (كالحدادية أو الخوارج المعاصرين) ويقنع الشاب بأن هؤلاء الفطاحل كانوا مبتدعة أو كفاراً أو علماء سلاطين منافقين، فإن السؤال التلقائي الذي يقفز لذهن الشاب هو إذا كان حَمَلة الدين عبر التاريخ كفاراً أو ضالين، فمن أين أثق في الدين نفسه؟ وهنا يقع في الشك المطلق الذي يقود للإلحاد
صناعة المرجعية العدمية
هدف هذه الفرق هو عزل الشباب عن المرجعيات الراسخة، لتصبح الساحة فارغة تماماً عندما يعتقد الشاب أن علماء الإسلام كفار، يدخل في حالة إحباط وجودي ويأس من إصلاح الواقع، فيرى أن هذا الدين (بحسب الصورة المشوهة التي نُقلت له) لم يثمر رجالاً صالحين عبر التاريخ، فيترك الدين جملة وتفصيلاً ينقلبون بعدها مباشرة من أقصى اليمين (الغلو والتكفير) إلى أقصى اليسار (الإلحاد والانسلاخ التام من الدين)
قاعدة تاريخية
كل غلو ينتهي إلى جفاء، وكل تكفير بلا ضوابط ينتهي إلى تشكيك في أصل الرسالة
لذلك، كانت الحدادية وأشباهها من جماعات الغلو، وإن تظاهرت بحماية السنة، هي في الحقيقة أقصر طريق لهدم السنة وإدخال الشباب في نفق الإلحاد المظلم، لأنهم هدموا الواسطة الأمينة التي نقلت لنا هذا الدين
واقع الفكر المتطرف اليوم
حجم وجود هذا الفكر (الحدادية وأشباهها من تيارات الغلو والتكفير) ومدى تحوله إلى ظاهرة بين المسلمين يمكن تفكيكه بدقة عبر مستويين المستوى العددي والتنظيمي، والمستوى السلوكي (الأثر النفسي والرقمنة)
من الناحية العددية والتنظيمية (هامش معزول)
إذا نظرنا إلى عامة المسلمين، فإن هذا الفكر لا يشكل ظاهرة أبداً، بل هو مجرد شراذم وجيوب معزولة جداً
نبذ مجتمعي
المجتمع الإسلامي بفطرته يلتف حول علمائه الكبار (مثل الأئمة الأربعة قديماً، والمجامع الفقهية وهيئات كبار العلماء حديثاً)
حرب علمية وأمنية
تيار الحدادية تحديداً تلقى ضربات علمية قاصمة من داخل المدرسة السلفية نفسها التي انشق عنها، حيث تبرأ منه كبار الرموز وحذروا من الجلوس مع أصحابه، مما جعلهم منبوذين حتى داخل الأوساط المتدينة، فضلاً عن الملاحقات الأمنية لتطابق سلوكهم مع مقدمات الدواعش والخوارج
من الناحية الرقمية والافتراضية (ظاهرة وبائية)
هنا تكمن الخطورة؛ فبفضل وسائل التواصل الاجتماعي، تحول هذا الفكر من مجموعات صغيرة معزولة في المساجد إلى ظاهرة افتراضية تظهر بأكبر من حجمها الحقيقي لعدة أسباب
الصوت المرتفع (الغوغائية الرقمية)
أصحاب هذا الفكر نشطون جداً إلكترونياً يترصدون زلات الدعاة والعلماء، ويقصون المقاطع، ويسارعون بالتبديع والتفسيق عبر هاشتاغات وحسابات وهمية
مما يعطي انطباعاً زائفاً بأنهم كثر
استقطاب المراهقين وحديثي العهد بالالتزام
يتصيد هذا الفكر الشباب الصغار الذين يمتلكون حماسة وعاطفة دينية جياشة دون علم شرعي يحميهم، فيُخيل إليهم أن الطعن في العلماء والتشدد هو العقيدة الصافية والجهاد بالكلمة
المظاهر السلوكية (كيف يتخفى هذا الفكر؟)
محمود الحداد كشخص انتهى، لكن الحدادية كمنهج وسلوك تظهر اليوم تحت مسميات وأشكال جديدة، ومن أبرز مظاهرها الحالية
ظاهرة التصنيف: تجد شباباً يجلسون في مجالسهم أو صفحاتهم الافتراضية وظيفتهم الوحيدة هي تصنيف الناس (هذا مبتدع، هذا مميع، هذا منافق، هذا خارجي)
امتداد الفكر إلى التيارات العلمانية والإلحادية (المفارقة العجيبة)
الخطير اليوم أن الحدادية تلتقي -من حيث لا تدري- مع التيارات المحاربة للدين؛ فالحسابات الإلحادية أو الطاعنة في الإسلام تصنع تماماً ما تصنعه الحدادية (إسقاط هيبة البخاري، مسلم، ابن حجر، النووي) الفارق أن الحدادي يسقطهم بدعوى حماية العقيدة، والملحد يسقطهم بدعوى تنوير العقول، والنتيجة واحدة وهي تجريد المسلم من مرجعيته وثقته بتراثه
هذا الفكر ليس ظاهرة متجذرة في جسد الأمة، فالأمة كجسم حي يطرد هذه الخلايا السرطانية الفكرية باستمرار عبر علمائها ووعي شعوبها لكنه مرض
انتهازي ينشط في فترات الأزمات السياسية، والجهل، والاضطراب المعرفي الرقمي
خطورته لا تأتي من كثرة أتباعه، بل من تأثيره التدميري العنيف على عقل من يسقط في شباكه، حيث ينتهي به المطاف إما متطرفا يستبيح الدماء، أو ملحداً ناقماً على الدين وأهله
باختصار هو ليس بظاهرة شعبية عارمة من حيث العدد، لكنه ظاهرة صوتية وإلكترونية مؤثرة وشديدة الخطورة
أصل الجماعات الإرهابية
الحدادية والقطبية "فكر السيد قطب" هم أصل الجماعات الإرهابية (مثل داعش والقاعدة) حيث لا تمثل امتداداً للتاريخ الإسلامي، بل هي تشويه وانحراف كامل عن مفهوم الخلافة والنظام السياسي الذي عرفه المسلمون عبر العصور، ابتداءً من الخلافة الراشدة ووصولاً إلى الدولة العثمانية
شوهوا مفهوم الخلافة أمام عوام المسلمين ممن لا يعرف معنى الخلافة ولاقرأ تاريخ الخلافات الإسلامية وكذلك بالنسبة لغير المسلمين في العالم
لقد قامت هذه التنظيمات بعملية سطو فكري على المصطلحات الشرعية والتاريخية، وأعادت إنتاجها بأسلوب مشوه يخدم أجندتها الدموية
الفوارق الجوهرية التي تثبت أن هذه الجماعات تمثل نبتة غريبة وخروجاً تاماً عن تاريخ الخلافة الإسلامية
الخلافات الإسلامية كانت دول قانونية ومؤسسات أما داعش فهي عصابة تكفيرية
عبر التاريخ الإسلامي (الراشدي، الأموي، العباسي، العثماني)، كانت الخلافة عبارة عن دولة قانون؛ تحتوي على مؤسسات قضائية مستقلة، دواوين لإدارة أمور الناس، جيوش نظامية لحماية الحدود، ونظام مالي واقتصادي مستقر
أما تنظيمات مثل داعش والقاعدة هي عصابات عابرة للحدود، قامت على ركيزتين فقط التكفير المطلق والتوحش، واعتمدت في اقتصادها على النهب، والسرقة، وابتزاز الشعوب التي وقعت تحت احتلالها
مفهوم الأمة مقابل مفهوم العصبة المعزولة
في التاريخ الإسلامي كانت الخلافة تستوعب كل مكونات الأمة بمختلف مذاهبهم الفقهية، بل وكان لغير المسلمين (من أهل الذمة) حقوق ومكانة وحماية كفلتها الشريعة والتاريخ
في فكر داعش والقاعدة الأمة عندهم محصورة فقط فيمن بايع أميرهم المجهول كل من هو خارج هذه العصبة الصغيرة فهو كافر حلال الدم والمال، سواء كان عالماً، أو حاكماً، أو مواطناً بسيطاً، بل إن أكثر من قتلتهم هذه الجماعات هم من المسلمين أنفسهم
شروط الخلافة واختيار الحاكم
الخلافة في الإسلام تنشأ عن طريق أهل الحل والعقد والشورى، ورضا الأمة وبسط يدها بالبيعة المعلنة
بينما الجماعات الإرهابية تقوم على أمير يخرج من السراديب والمغارات، مجهول النسب أو الهوية في كثير من الأحيان، يُنصب نفسه خليفة بقوة السلاح وإرهاب الناس، ويطلب من ملياري مسلم مبايعته طوعاً أو كرهاً، وهو أبعد ما يكون عن فقه السياسة الشرعية
تشويه مفهوم الجهاد والتعامل مع المخالف
التنظيمات المعاصرة جعلت من التمثيل بالجثث، والحرق، والذبح بالسكاكين، وتفجير المساجد والأسواق، وسيلة دعائية يتفاخرون بها عبر منصات التواصل لإرهاب الخصوم، وهو أشنع تشويه لرحمة الإسلام وعدالته
الخوارج بثوب جديد
علماء الإسلام قديماً وحديثاً لم يترددوا في وصف داعش والقاعدة بأنهم خوارج العصر، فالخوارج الأوائل خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكفّروا الصحابة، واستباحوا دماء المسلمين تحت شعار ديني براق وهو (لا حكم إلا لله)
اليوم، تعيد داعش إنتاج نفس المأساة؛ تأخذ شعار إقامة الخلافة وتحكيم الشريعة لتستقطب به الشباب المتحمس العاطفي، ثم تقودهم لتدمير بلدانهم، وتكفير علمائهم، وقتل أهاليهم
لذلك، فإن وضع هذه العصابات في كفة واحدة مع الخلافة الإسلامية التاريخية هو ظلم للتاريخ وجناية على الدين؛ فشتان بين دولة حضارية حكمت العالم بالعدل والقانون لقرون، وبين تنظيمات إرهابية لم تترك وراءها سوى الدمار، وتشريد المسلمين، وتشوية صورة الإسلام في العالم كله، وفتح الباب للإلحاد والتشكيك
نتائج الأفكار المتطرفة الشاذة
أولاً الجناية على عوام المسلمين (تزييف الوعي)
بالنسبة لشاب مسلم عامي، لم يقرأ التاريخ ولم يتلقَ تعليماً شرعياً رصيناً،عندما ظهرت داعش ورفعت راية مكتوباً عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله وصاحبتها بشعار خلافة على منهاج النبوة، حدثت عند العوام صدمة معرفية
ربط الخلافة بالدموية: صار العامي يربط كلمة خلافة تلقائياً بقطع الرؤوس، والسبي، وتفجير المساجد، وهدم البيوت، وإلغاء الحياة والتعليم
النفور من الفكرة: بدلاً من أن تكون الخلافة رمزاً للوحدة والعدل والتقدم الحضاري، تحولت في وعي العوام إلى فزاعة ورمز للخراب والتخلف والعودة للعصور المظلمة
صناعة الجيل الهش: هذا التشويه جعل العوام يتشككون في جدوى الأحكام الشرعية والنصوص الدينية نفسها، لأنهم رأوا تطبيقها المشوه يُمارس بأبشع الطرق، مما سهّل وقوعهم في شباك التغريب أو الإلحاد
ثانياً الجناية أمام غير المسلمين (صناعة الإسلاموفوبيا)
إذا كان هذا هو حال المسلم العامي، فكيف يكون حال غير المسلم؟
لقد قدمت هذه الجماعات أكبر خدمة مجانية لأعداء الإسلام عبر التاريخ، وصنعت ما لم تستطع آلات الدعاية الغربية صنعه في عقود
تأصيل الإسلاموفوبيا قبل داعش، كان الإعلام الغربي يحاول إثبات أن الإسلام دين عنف عبر تحليلات ونقاشات قد لا يصدقها الجميع لكن داعش قدمت لهم المادة الخام بالصوت والصورة فائقة الدقة. صار المواطن الغربي يرى الخليفة المفترض للمسلمين يأمر بحرق الناس أحياءً، وتدمير الآثار الإنسانية، واستعباد النساء
ترسيخ الفكرة النمطية: تحول مفهوم الخلافة في العقل الغربي إلى مشروع إبادة جماعية معاصر يسعى لقتل كل من يخالفه
شرعنة التدخلات: أعطى هذا التشويه الذريعة الأخلاقية والقانونية للدول الأجنبية للتدخل في بعض الدول العربية بحجة محاربة الإرهاب وحماية البشرية من
هذا النموذج المتوحش
المفارقة التاريخية الصادمة
التاريخ يشهد أن الخلافات الإسلامية عبر العصور كانت حاضنة للعلم، والطب، والترجمة، والتعايش (كما في العصر العباسي والأنباط والأندلس والدولة العثمانية) كانت الخلافة تعني الجامعات (كالأزهر والزيتونة والقرويين)، والمستشفيات، والمكتبات الضخمة، ودور التجارة العالمية
بينما خلافة داعش والقاعدة تعني تفخيخ المدارس، حرق الكتب، قتل الأطباء، وتجهيل المجتمع
لقد نجح هؤلاء الخوارج في تحويل مصطلح الخلافة (الذي يعني لغوياً وشرعياً عمارة الأرض والنيابة في إقامة العدل) إلى مرادف لـالخراب العالمي، وهي
جناية لن يغفرها التاريخ لهم، وستحتاج الأمة إلى عقود من الوعي، والتعليم لتصحيح هذا المفهوم وتطهيره مما علق به من دماء وتشويه
الفارق الجوهري والعميق بين فقه أئمة الإسلام والعلماء الراسخين عبر التاريخ، وبين فكر الخوارج والجماعات التكفيرية المعاصرة
السنّة الإلهية الحاكمة في قيام الدول، وهي ما يُعرف في القرآن بـقانون التغيير والتمكين يكون بتوبة واستقامة الشعوب والأفراد
هذه الجماعات المتطرفة وقعت في مغالطة فكرية كبرى؛ حيث ظنت أن الشريعة يمكن أن تُفرض من أعلى الهرم بواسطة السلاح على مجتمعات لم تتأسس بعد على الاستقامة والتوبة، فكانت النتيجة الخراب الدنيوي والفساد الديني
السنّة الإلهية التغيير يبدأ من القاعدة إلى القمة
القرآن الكريم وضع قاعدة واضحة لا تتخلف في تغيير أحوال الأمم وسياستها، حيث يقول الله تعالى
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}
التمكين والحكم الرشيد هو نتيجة لصلح المجتمع واستقامته عندما تستقيم الرعية على أمر الله توبةً، وعِلماً، وعملاً، وأخلاقاً، يسوق الله لها بفضله وسنته من يحكمها بالعدل والشريعة أما إذا فشت الذنوب، وضُيعت الأمانات، وانتشر الجهل بالدين، فإن واقع الحكم يكون انعكاساً لواقع الأمة، كما قال بعض السلف: كما تكونوا يُولّى عليكم
عندما يتحقق هذا الشرط في الأمة، يتحقق وعود الله تعالى بالاستخلاف والتمكين
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
فالوعد معلق بالإيمان والعمل الصالح والاستقامة، وليس بالتفجير والاغتيال وتدمير الأوطان
فقه الأنبياء مقابل فقه الخوارج
لو تأملنا سيرة الأنبياء عليهم السلام، لم يبدأ أحد منهم بالصراع السياسي أو محاولة انتزاع الحكم بالسلاح
العهد المكي قضى النبي ﷺ 13 عاماً في مكة يربي الأفراد على التوحيد، والاستقامة، والصبر، والتوبة، والأخلاق، ولم يُؤمر بالقتال أو الصدام مع قريش
رغم كفرهم الواضح وتفشي الأوثان لماذا؟ لأن بناء الإنسان المسلم المستقِم هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة المسلمة لاحقاً
فكر الخوارج يختزل الدين كله في كرسي الحكم، ويرى أن تفجير مؤسسات الدولة وقتل رجال الأمن هو الطريق لتطبيق الشريعة! وهذا جهل مركب، فلو سقطت الدولة بيدهم، فلن يجدوا مجتمعاً مؤهلاً، بل سيحكمونه بالحديد والنار والتكفير، لينتهي مشروعهم بالفشل والدمار
الصبر والإصلاح يحمي الأمة من الفناء
العلماء الراسخون فقهوا خطورة الخروج المسلح؛ لأنه يدمّر الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة لحفظها (الدين، النفس، العقل، العرض، المال)
فالخروج على الحاكم هو نفق للحروب الأهلية والخراب والفتن التي لا تبقي ولا تذر، والتي يتلاشى فيها الأمن، ويُفتن الناس في دينهم، ويُهجرون من أوطانهم
أبرز الحلول العملية لتفكيك هذا الفكر وإعادة بناء الوعي الصحيح
مواجهة هذا الفكر المتغلغل وحماية عقول الشباب وعوام المسلمين من هذا التشويه يتطلب إستراتيجية شاملة طويلة المدى، لا تقتصر على الحل الأمني فقط، بل تركز بالأساس على الفكر، والتعليم، والإعلام
الحل المعرفي والتعليمي (تحصين العقول)
تدريس مآلات الغلو وتاريخ الخوارج
يجب أن يعرف الشباب تاريخ الفرق المنحرفة وكيف أن نهايتهم دائماً كانت تدمير الأمة، ليكون لديهم مناعة تاريخية ضد الشعارات البراقة
تفكيك الشبهات علناً
عدم تجاهل أفكارهم؛ بل يجب على المؤسسات التعليمية والدينية رصد الشبهات والرد عليها بأسلوب علمي ومنطقي يسهل على العامي فهمه
الحل الدعوي والمؤسسي (إعادة الهيبة للعلماء الراسخين)
تقريب العلماء من الشباب يجب على العلماء والفقهاء الراسخين النزول من أبراجهم العاجية والحديث بلغة العصر إذا لم يجد الشاب عالماً يثق فيه يجيبه على تساؤلاته، فسيبحث عن الإجابة في الإنترنت ويقع في فخ دعاة الفتن والمجهولين
الحل الرقمي والإعلامي (سحب البساط الافتراضي)
صناعة محتوى رقمي جاذب كإنتاج مقاطع فيديو قصيرة، وبودكاست، وأفلام وثائقية، تفضح واقع هذه الجماعات وتكشف تناقضاتها (مثل كشف زيف حياة الدواعش في المغارات ومخالفتهم للشريعة)
المواجهة الذكية على منصات التواصل
إنشاء منصات ومبادرات شبابية مدعومة من علماء شرعيين ومحللين نفسيين، تتواجد في نفس المساحات الرقمية التي ينشط فيها المتطرفون لمزاحمتهم وتفنيد أطروحاتهم أولاً بأول
ربط الدين بعمارة الأرض والابتكار
التركيز في الخطاب الديني على أن تمكين الإسلام لا يأتي بالهدم والقتل، بل بالتفوق العلمي، والاقتصادي، والصناعي، والأخلاقي فالخلافة الإسلامية نجحت يوم أن كانت بغداد وقرطبة منارات للعلم والطب والتجارة عالمياً
الحل الاجتماعي والتنموي
ملء الفراغ وتوفير الفرص: الغلو والتطرف ينتعشان في بيئات الجهل، والبطالة، والتهميش فتوفير فرص العمل، ودعم المشاريع الشبابية، وتنشيط الحياة الثقافية يحمي الشباب من أن يكونوا صيداً سهلاً للجماعات الإرهابية التي تستغل إحباطهم لتوظيفهم في مشاريع انتحارية
خلاصة
المعركة مع هذا الفكر هي معركة وعي بالدرجة الأولى السلاح لا يقتل الفكرة، بل تفكيك الفكرة وعزلها علمياً وإعلامياً هو الذي ينهيها ومتى ما استعاد المسلمون ثقتهم بتراثهم المعتدل وعلمائهم الراسخين، تلاشت هذه الفرق تلقائياً كما يتلاشى الزبد
تعد الحدادية أصل فكر الخوارج المعاصر، والحدادية فرقة تنسب مباشرة إلى محمود بن محمد الحداد، وهو مصري الجنسية كان يقيم في المملكة العربية السعودية (وتحديداً في المدينة المنورة) في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات
ظهرت هذه الفتنة وهذا التيار تحديداً في بداية التسعينيات (حوالي عام 1992 - 1993) داخل أروقة المدرسة الوهابية في المدينة المنورة، وأحدثت ضجة كبرى في ذلك الوقت قبل أن يتم قمعها علمياً
انشقاقهم عن الوهابية التيمية وتكفير علماء الإسلام
الحدادية بدأت كتطرف داخل مذهب الوهابية نفسها، حيث ادعى الحداد الغيرة على السنة، لكنه سلك مسلكاً تكفيرياً تبديعياً هدم فيه الأمة
تكفير وتبديع علماء الإسلام التاريخيين
قام محمود الحداد بتأليف كتب يهاجم فيها أئمة الإسلام الكبار التاريخيين الذين لهم مكانة عظيمة عند الوهابية، مثل الحافظ ابن حجر العسقلاني (صاحب فتح الباري) والإمام النووي (شارح صحيح مسلم) والإمام البيهقي، وقام بتبديعهم وتكفيرهم، ودعا إلى حرق كتبهم (مثل فتح
الباري وشرح صحيح مسلم) وعدم قراءتها
تكفير علماء العصر
لم يكتفِ بعلماء التاريخ، بل هاجم وأسقط وفسّق علماء الوهابية المعاصرين في التسعينيات الذين خالفوه، مثل الشيخ ابن باز، والشيخ ربيع بن هادي المدخلي (الذي كان من أبرز من ردوا عليه وألفوا كتباً في كشف عواره)
ملامح الفكر الحدادي (لماذا عُدّوا انشقاقاً خبيثاً؟)
القول بتكفير أو تبديع كل من وقع في زلة أو خطأ في العقيدة حتى لو كان من كبار أئمة الإسلام الذين خدموا السنة
عشق الهجر والتبديع إطلاق الأحكام بالتبديع على المعينين والمجتمعات دون ضوابط
مماثلة الخوارج (الحرورية) رغم ادعائهم السلفية، إلا أن العلماء وصفوهم بأنهم ثوب جديد للخوارج لأن النتيجة النهائية لفكرهم هي إسقاط علماء الأمة وتجهيلهم وتكفيرهم، مما يترك الشباب بلا مرجعية فيسهل سوقهم للتكفير العام
تكفير علماء الإسلام يسبب الإلحاد
تكفير العلماء حذر منه محققو العلماء، ويُعرف اليوم في دراسات الفكر المعاصر بـمآلات الغلو أو التكفير العكسي، إسقاط علماء الأمة — سواء التاريخيين كابن حجر والنووي، أو المعاصرين— لا يقف عند حدود تبديع شخص، بل يمتد ليهدم الدين ككل في وعي المسلم البسيط، وذلك لعدة أسباب
قطع سلسلة السند والثقة بالدين
الإسلام دين يُنقل بالتلقي والأسانيد؛ فالقرآن والسنة وصلا إلينا عبر قرون من خلال هؤلاء العلماء الذين أفنوا أعمارهم في تنقيح الآثار وفهم الأحكام عندما يأتي تيار (كالحدادية أو الخوارج المعاصرين) ويقنع الشاب بأن هؤلاء الفطاحل كانوا مبتدعة أو كفاراً أو علماء سلاطين منافقين، فإن السؤال التلقائي الذي يقفز لذهن الشاب هو إذا كان حَمَلة الدين عبر التاريخ كفاراً أو ضالين، فمن أين أثق في الدين نفسه؟ وهنا يقع في الشك المطلق الذي يقود للإلحاد
صناعة المرجعية العدمية
هدف هذه الفرق هو عزل الشباب عن المرجعيات الراسخة، لتصبح الساحة فارغة تماماً عندما يعتقد الشاب أن علماء الإسلام كفار، يدخل في حالة إحباط وجودي ويأس من إصلاح الواقع، فيرى أن هذا الدين (بحسب الصورة المشوهة التي نُقلت له) لم يثمر رجالاً صالحين عبر التاريخ، فيترك الدين جملة وتفصيلاً ينقلبون بعدها مباشرة من أقصى اليمين (الغلو والتكفير) إلى أقصى اليسار (الإلحاد والانسلاخ التام من الدين)
قاعدة تاريخية
كل غلو ينتهي إلى جفاء، وكل تكفير بلا ضوابط ينتهي إلى تشكيك في أصل الرسالة
لذلك، كانت الحدادية وأشباهها من جماعات الغلو، وإن تظاهرت بحماية السنة، هي في الحقيقة أقصر طريق لهدم السنة وإدخال الشباب في نفق الإلحاد المظلم، لأنهم هدموا الواسطة الأمينة التي نقلت لنا هذا الدين
واقع الفكر المتطرف اليوم
حجم وجود هذا الفكر (الحدادية وأشباهها من تيارات الغلو والتكفير) ومدى تحوله إلى ظاهرة بين المسلمين يمكن تفكيكه بدقة عبر مستويين المستوى العددي والتنظيمي، والمستوى السلوكي (الأثر النفسي والرقمنة)
من الناحية العددية والتنظيمية (هامش معزول)
إذا نظرنا إلى عامة المسلمين، فإن هذا الفكر لا يشكل ظاهرة أبداً، بل هو مجرد شراذم وجيوب معزولة جداً
نبذ مجتمعي
المجتمع الإسلامي بفطرته يلتف حول علمائه الكبار (مثل الأئمة الأربعة قديماً، والمجامع الفقهية وهيئات كبار العلماء حديثاً)
حرب علمية وأمنية
تيار الحدادية تحديداً تلقى ضربات علمية قاصمة من داخل المدرسة السلفية نفسها التي انشق عنها، حيث تبرأ منه كبار الرموز وحذروا من الجلوس مع أصحابه، مما جعلهم منبوذين حتى داخل الأوساط المتدينة، فضلاً عن الملاحقات الأمنية لتطابق سلوكهم مع مقدمات الدواعش والخوارج
من الناحية الرقمية والافتراضية (ظاهرة وبائية)
هنا تكمن الخطورة؛ فبفضل وسائل التواصل الاجتماعي، تحول هذا الفكر من مجموعات صغيرة معزولة في المساجد إلى ظاهرة افتراضية تظهر بأكبر من حجمها الحقيقي لعدة أسباب
الصوت المرتفع (الغوغائية الرقمية)
أصحاب هذا الفكر نشطون جداً إلكترونياً يترصدون زلات الدعاة والعلماء، ويقصون المقاطع، ويسارعون بالتبديع والتفسيق عبر هاشتاغات وحسابات وهمية
مما يعطي انطباعاً زائفاً بأنهم كثر
استقطاب المراهقين وحديثي العهد بالالتزام
يتصيد هذا الفكر الشباب الصغار الذين يمتلكون حماسة وعاطفة دينية جياشة دون علم شرعي يحميهم، فيُخيل إليهم أن الطعن في العلماء والتشدد هو العقيدة الصافية والجهاد بالكلمة
المظاهر السلوكية (كيف يتخفى هذا الفكر؟)
محمود الحداد كشخص انتهى، لكن الحدادية كمنهج وسلوك تظهر اليوم تحت مسميات وأشكال جديدة، ومن أبرز مظاهرها الحالية
ظاهرة التصنيف: تجد شباباً يجلسون في مجالسهم أو صفحاتهم الافتراضية وظيفتهم الوحيدة هي تصنيف الناس (هذا مبتدع، هذا مميع، هذا منافق، هذا خارجي)
امتداد الفكر إلى التيارات العلمانية والإلحادية (المفارقة العجيبة)
الخطير اليوم أن الحدادية تلتقي -من حيث لا تدري- مع التيارات المحاربة للدين؛ فالحسابات الإلحادية أو الطاعنة في الإسلام تصنع تماماً ما تصنعه الحدادية (إسقاط هيبة البخاري، مسلم، ابن حجر، النووي) الفارق أن الحدادي يسقطهم بدعوى حماية العقيدة، والملحد يسقطهم بدعوى تنوير العقول، والنتيجة واحدة وهي تجريد المسلم من مرجعيته وثقته بتراثه
هذا الفكر ليس ظاهرة متجذرة في جسد الأمة، فالأمة كجسم حي يطرد هذه الخلايا السرطانية الفكرية باستمرار عبر علمائها ووعي شعوبها لكنه مرض
انتهازي ينشط في فترات الأزمات السياسية، والجهل، والاضطراب المعرفي الرقمي
خطورته لا تأتي من كثرة أتباعه، بل من تأثيره التدميري العنيف على عقل من يسقط في شباكه، حيث ينتهي به المطاف إما متطرفا يستبيح الدماء، أو ملحداً ناقماً على الدين وأهله
باختصار هو ليس بظاهرة شعبية عارمة من حيث العدد، لكنه ظاهرة صوتية وإلكترونية مؤثرة وشديدة الخطورة
أصل الجماعات الإرهابية
الحدادية والقطبية "فكر السيد قطب" هم أصل الجماعات الإرهابية (مثل داعش والقاعدة) حيث لا تمثل امتداداً للتاريخ الإسلامي، بل هي تشويه وانحراف كامل عن مفهوم الخلافة والنظام السياسي الذي عرفه المسلمون عبر العصور، ابتداءً من الخلافة الراشدة ووصولاً إلى الدولة العثمانية
شوهوا مفهوم الخلافة أمام عوام المسلمين ممن لا يعرف معنى الخلافة ولاقرأ تاريخ الخلافات الإسلامية وكذلك بالنسبة لغير المسلمين في العالم
لقد قامت هذه التنظيمات بعملية سطو فكري على المصطلحات الشرعية والتاريخية، وأعادت إنتاجها بأسلوب مشوه يخدم أجندتها الدموية
الفوارق الجوهرية التي تثبت أن هذه الجماعات تمثل نبتة غريبة وخروجاً تاماً عن تاريخ الخلافة الإسلامية
الخلافات الإسلامية كانت دول قانونية ومؤسسات أما داعش فهي عصابة تكفيرية
عبر التاريخ الإسلامي (الراشدي، الأموي، العباسي، العثماني)، كانت الخلافة عبارة عن دولة قانون؛ تحتوي على مؤسسات قضائية مستقلة، دواوين لإدارة أمور الناس، جيوش نظامية لحماية الحدود، ونظام مالي واقتصادي مستقر
أما تنظيمات مثل داعش والقاعدة هي عصابات عابرة للحدود، قامت على ركيزتين فقط التكفير المطلق والتوحش، واعتمدت في اقتصادها على النهب، والسرقة، وابتزاز الشعوب التي وقعت تحت احتلالها
مفهوم الأمة مقابل مفهوم العصبة المعزولة
في التاريخ الإسلامي كانت الخلافة تستوعب كل مكونات الأمة بمختلف مذاهبهم الفقهية، بل وكان لغير المسلمين (من أهل الذمة) حقوق ومكانة وحماية كفلتها الشريعة والتاريخ
في فكر داعش والقاعدة الأمة عندهم محصورة فقط فيمن بايع أميرهم المجهول كل من هو خارج هذه العصبة الصغيرة فهو كافر حلال الدم والمال، سواء كان عالماً، أو حاكماً، أو مواطناً بسيطاً، بل إن أكثر من قتلتهم هذه الجماعات هم من المسلمين أنفسهم
شروط الخلافة واختيار الحاكم
الخلافة في الإسلام تنشأ عن طريق أهل الحل والعقد والشورى، ورضا الأمة وبسط يدها بالبيعة المعلنة
بينما الجماعات الإرهابية تقوم على أمير يخرج من السراديب والمغارات، مجهول النسب أو الهوية في كثير من الأحيان، يُنصب نفسه خليفة بقوة السلاح وإرهاب الناس، ويطلب من ملياري مسلم مبايعته طوعاً أو كرهاً، وهو أبعد ما يكون عن فقه السياسة الشرعية
تشويه مفهوم الجهاد والتعامل مع المخالف
التنظيمات المعاصرة جعلت من التمثيل بالجثث، والحرق، والذبح بالسكاكين، وتفجير المساجد والأسواق، وسيلة دعائية يتفاخرون بها عبر منصات التواصل لإرهاب الخصوم، وهو أشنع تشويه لرحمة الإسلام وعدالته
الخوارج بثوب جديد
علماء الإسلام قديماً وحديثاً لم يترددوا في وصف داعش والقاعدة بأنهم خوارج العصر، فالخوارج الأوائل خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكفّروا الصحابة، واستباحوا دماء المسلمين تحت شعار ديني براق وهو (لا حكم إلا لله)
اليوم، تعيد داعش إنتاج نفس المأساة؛ تأخذ شعار إقامة الخلافة وتحكيم الشريعة لتستقطب به الشباب المتحمس العاطفي، ثم تقودهم لتدمير بلدانهم، وتكفير علمائهم، وقتل أهاليهم
لذلك، فإن وضع هذه العصابات في كفة واحدة مع الخلافة الإسلامية التاريخية هو ظلم للتاريخ وجناية على الدين؛ فشتان بين دولة حضارية حكمت العالم بالعدل والقانون لقرون، وبين تنظيمات إرهابية لم تترك وراءها سوى الدمار، وتشريد المسلمين، وتشوية صورة الإسلام في العالم كله، وفتح الباب للإلحاد والتشكيك
نتائج الأفكار المتطرفة الشاذة
أولاً الجناية على عوام المسلمين (تزييف الوعي)
بالنسبة لشاب مسلم عامي، لم يقرأ التاريخ ولم يتلقَ تعليماً شرعياً رصيناً،عندما ظهرت داعش ورفعت راية مكتوباً عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله وصاحبتها بشعار خلافة على منهاج النبوة، حدثت عند العوام صدمة معرفية
ربط الخلافة بالدموية: صار العامي يربط كلمة خلافة تلقائياً بقطع الرؤوس، والسبي، وتفجير المساجد، وهدم البيوت، وإلغاء الحياة والتعليم
النفور من الفكرة: بدلاً من أن تكون الخلافة رمزاً للوحدة والعدل والتقدم الحضاري، تحولت في وعي العوام إلى فزاعة ورمز للخراب والتخلف والعودة للعصور المظلمة
صناعة الجيل الهش: هذا التشويه جعل العوام يتشككون في جدوى الأحكام الشرعية والنصوص الدينية نفسها، لأنهم رأوا تطبيقها المشوه يُمارس بأبشع الطرق، مما سهّل وقوعهم في شباك التغريب أو الإلحاد
ثانياً الجناية أمام غير المسلمين (صناعة الإسلاموفوبيا)
إذا كان هذا هو حال المسلم العامي، فكيف يكون حال غير المسلم؟
لقد قدمت هذه الجماعات أكبر خدمة مجانية لأعداء الإسلام عبر التاريخ، وصنعت ما لم تستطع آلات الدعاية الغربية صنعه في عقود
تأصيل الإسلاموفوبيا قبل داعش، كان الإعلام الغربي يحاول إثبات أن الإسلام دين عنف عبر تحليلات ونقاشات قد لا يصدقها الجميع لكن داعش قدمت لهم المادة الخام بالصوت والصورة فائقة الدقة. صار المواطن الغربي يرى الخليفة المفترض للمسلمين يأمر بحرق الناس أحياءً، وتدمير الآثار الإنسانية، واستعباد النساء
ترسيخ الفكرة النمطية: تحول مفهوم الخلافة في العقل الغربي إلى مشروع إبادة جماعية معاصر يسعى لقتل كل من يخالفه
شرعنة التدخلات: أعطى هذا التشويه الذريعة الأخلاقية والقانونية للدول الأجنبية للتدخل في بعض الدول العربية بحجة محاربة الإرهاب وحماية البشرية من
هذا النموذج المتوحش
المفارقة التاريخية الصادمة
التاريخ يشهد أن الخلافات الإسلامية عبر العصور كانت حاضنة للعلم، والطب، والترجمة، والتعايش (كما في العصر العباسي والأنباط والأندلس والدولة العثمانية) كانت الخلافة تعني الجامعات (كالأزهر والزيتونة والقرويين)، والمستشفيات، والمكتبات الضخمة، ودور التجارة العالمية
بينما خلافة داعش والقاعدة تعني تفخيخ المدارس، حرق الكتب، قتل الأطباء، وتجهيل المجتمع
لقد نجح هؤلاء الخوارج في تحويل مصطلح الخلافة (الذي يعني لغوياً وشرعياً عمارة الأرض والنيابة في إقامة العدل) إلى مرادف لـالخراب العالمي، وهي
جناية لن يغفرها التاريخ لهم، وستحتاج الأمة إلى عقود من الوعي، والتعليم لتصحيح هذا المفهوم وتطهيره مما علق به من دماء وتشويه
الفارق الجوهري والعميق بين فقه أئمة الإسلام والعلماء الراسخين عبر التاريخ، وبين فكر الخوارج والجماعات التكفيرية المعاصرة
السنّة الإلهية الحاكمة في قيام الدول، وهي ما يُعرف في القرآن بـقانون التغيير والتمكين يكون بتوبة واستقامة الشعوب والأفراد
هذه الجماعات المتطرفة وقعت في مغالطة فكرية كبرى؛ حيث ظنت أن الشريعة يمكن أن تُفرض من أعلى الهرم بواسطة السلاح على مجتمعات لم تتأسس بعد على الاستقامة والتوبة، فكانت النتيجة الخراب الدنيوي والفساد الديني
السنّة الإلهية التغيير يبدأ من القاعدة إلى القمة
القرآن الكريم وضع قاعدة واضحة لا تتخلف في تغيير أحوال الأمم وسياستها، حيث يقول الله تعالى
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}
التمكين والحكم الرشيد هو نتيجة لصلح المجتمع واستقامته عندما تستقيم الرعية على أمر الله توبةً، وعِلماً، وعملاً، وأخلاقاً، يسوق الله لها بفضله وسنته من يحكمها بالعدل والشريعة أما إذا فشت الذنوب، وضُيعت الأمانات، وانتشر الجهل بالدين، فإن واقع الحكم يكون انعكاساً لواقع الأمة، كما قال بعض السلف: كما تكونوا يُولّى عليكم
عندما يتحقق هذا الشرط في الأمة، يتحقق وعود الله تعالى بالاستخلاف والتمكين
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
فالوعد معلق بالإيمان والعمل الصالح والاستقامة، وليس بالتفجير والاغتيال وتدمير الأوطان
فقه الأنبياء مقابل فقه الخوارج
لو تأملنا سيرة الأنبياء عليهم السلام، لم يبدأ أحد منهم بالصراع السياسي أو محاولة انتزاع الحكم بالسلاح
العهد المكي قضى النبي ﷺ 13 عاماً في مكة يربي الأفراد على التوحيد، والاستقامة، والصبر، والتوبة، والأخلاق، ولم يُؤمر بالقتال أو الصدام مع قريش
رغم كفرهم الواضح وتفشي الأوثان لماذا؟ لأن بناء الإنسان المسلم المستقِم هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة المسلمة لاحقاً
فكر الخوارج يختزل الدين كله في كرسي الحكم، ويرى أن تفجير مؤسسات الدولة وقتل رجال الأمن هو الطريق لتطبيق الشريعة! وهذا جهل مركب، فلو سقطت الدولة بيدهم، فلن يجدوا مجتمعاً مؤهلاً، بل سيحكمونه بالحديد والنار والتكفير، لينتهي مشروعهم بالفشل والدمار
الصبر والإصلاح يحمي الأمة من الفناء
العلماء الراسخون فقهوا خطورة الخروج المسلح؛ لأنه يدمّر الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة لحفظها (الدين، النفس، العقل، العرض، المال)
فالخروج على الحاكم هو نفق للحروب الأهلية والخراب والفتن التي لا تبقي ولا تذر، والتي يتلاشى فيها الأمن، ويُفتن الناس في دينهم، ويُهجرون من أوطانهم
أبرز الحلول العملية لتفكيك هذا الفكر وإعادة بناء الوعي الصحيح
مواجهة هذا الفكر المتغلغل وحماية عقول الشباب وعوام المسلمين من هذا التشويه يتطلب إستراتيجية شاملة طويلة المدى، لا تقتصر على الحل الأمني فقط، بل تركز بالأساس على الفكر، والتعليم، والإعلام
الحل المعرفي والتعليمي (تحصين العقول)
تدريس مآلات الغلو وتاريخ الخوارج
يجب أن يعرف الشباب تاريخ الفرق المنحرفة وكيف أن نهايتهم دائماً كانت تدمير الأمة، ليكون لديهم مناعة تاريخية ضد الشعارات البراقة
تفكيك الشبهات علناً
عدم تجاهل أفكارهم؛ بل يجب على المؤسسات التعليمية والدينية رصد الشبهات والرد عليها بأسلوب علمي ومنطقي يسهل على العامي فهمه
الحل الدعوي والمؤسسي (إعادة الهيبة للعلماء الراسخين)
تقريب العلماء من الشباب يجب على العلماء والفقهاء الراسخين النزول من أبراجهم العاجية والحديث بلغة العصر إذا لم يجد الشاب عالماً يثق فيه يجيبه على تساؤلاته، فسيبحث عن الإجابة في الإنترنت ويقع في فخ دعاة الفتن والمجهولين
الحل الرقمي والإعلامي (سحب البساط الافتراضي)
صناعة محتوى رقمي جاذب كإنتاج مقاطع فيديو قصيرة، وبودكاست، وأفلام وثائقية، تفضح واقع هذه الجماعات وتكشف تناقضاتها (مثل كشف زيف حياة الدواعش في المغارات ومخالفتهم للشريعة)
المواجهة الذكية على منصات التواصل
إنشاء منصات ومبادرات شبابية مدعومة من علماء شرعيين ومحللين نفسيين، تتواجد في نفس المساحات الرقمية التي ينشط فيها المتطرفون لمزاحمتهم وتفنيد أطروحاتهم أولاً بأول
ربط الدين بعمارة الأرض والابتكار
التركيز في الخطاب الديني على أن تمكين الإسلام لا يأتي بالهدم والقتل، بل بالتفوق العلمي، والاقتصادي، والصناعي، والأخلاقي فالخلافة الإسلامية نجحت يوم أن كانت بغداد وقرطبة منارات للعلم والطب والتجارة عالمياً
الحل الاجتماعي والتنموي
ملء الفراغ وتوفير الفرص: الغلو والتطرف ينتعشان في بيئات الجهل، والبطالة، والتهميش فتوفير فرص العمل، ودعم المشاريع الشبابية، وتنشيط الحياة الثقافية يحمي الشباب من أن يكونوا صيداً سهلاً للجماعات الإرهابية التي تستغل إحباطهم لتوظيفهم في مشاريع انتحارية
خلاصة
المعركة مع هذا الفكر هي معركة وعي بالدرجة الأولى السلاح لا يقتل الفكرة، بل تفكيك الفكرة وعزلها علمياً وإعلامياً هو الذي ينهيها ومتى ما استعاد المسلمون ثقتهم بتراثهم المعتدل وعلمائهم الراسخين، تلاشت هذه الفرق تلقائياً كما يتلاشى الزبد