قال الإمام الشاطبي رحمه الله في الاعتصام: وكذلك أصول الدين وهو علم الكلام إنما حاصله تقرير لأدلة القران والسنة أو ماينشأ عنها بالتوحيد ويتعلق به
إن انطلاق الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه الحافل الاعتصام من هذا التأصيل يضع أيدينا على حقيقة علم الكلام وغايته عند من صنفوا فيه من أهل السنة والجماعة فعلم الكلام في جوهره لم يكن ترفاً فكرياً، بل كان درعاً منهجياً صيغ بأدوات العقل لخدمة وحي النقل، وتقرير عقائد الوحي وحمايتها
في هذا البحث، نستعرض ماهية هذا العلم، وما يعنيه عند أبرز المدارس التي حملت لواءه؛ السادة الأشاعرة والسادة الماتريدية، والأسباب التي دفعتهم للاهتمام به
ما هو علم الكلام؟ (المفهوم والدلالة)
يمكن تعريف علم الكلام بأنه: علمٌ يُقتدر به على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج عليها ودفع الشُّبَه عنها
لم يكن هذا العلم غريباً عن مشكاة القرآن والسنة؛ فالقرآن مليء بالمحاججات العقلية لخصوم الإسلام. لكن علم الكلام كعلم مُدوّن له قواعده ومصطلحاته، نشأ استجابةً لظروف تاريخية ومعرفية معينة، حيث تداخلت فيه قوتان
قوة الوحي: وهي المضمون والغاية (تقريب عقائد التوحيد، والنبوة، والمعاد)
قوة العقل: وهي الأداة والمنهج (استخدام القياس المنطقي، والبراهين العقلية لملء المساحة الجدلية مع المخالفين)
علاقة علم الكلام بالجدل عُرف علم الكلام بأنه علم يُكتسب به اقتدار الإيراد على الحجة ودفع الشبهة، والجدل هو التقابل في الحجة لإثبات الحق أو إبطال الباطل ولما كان علم الكلام قائماً على إثبات العقائد الإيمانية بالعقل والمنطق، فقد اعتمد كلياً على المناظرة والجدل الكلامي
ظهرت الحاجة إلى الجدل الكلامي نتيجة لدخول أصحاب الديانات الأخرى والفلاسفة والفرق المخالفة في الإسلام، مما استدعى من المتكلمين استخدام آليات الحجاج والجدل للرد عليهم بلغتهم الاستدلالية
صنّف علماء الكلام كتباً مستقلة في أدب الجدل والمناظرة مثل آداب الجدال للآمدي وغيره لتنظيم قواعد الحوار وإقامة الحجة ودفع الشبهات بشكل علمي ومنهجي
والجدل له شواهد من القرآن فقد قال تعالى: ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ 125 وقال تعالى أيضا
وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [سورة العنكبوت: 46]
والجدل ينقسم في الإسلام إلى نوعين
جدل ممدوح: وهو الجدل بالحق وبالتي هي أحسن لإظهار الحقيقة ودفع الشبهات وإثبات التوحيد، وهو جوهر ومادة علم الكلام
جدل مذموم: وهو الجدل بالباطل، أو المراء لغرض العناد، أو الجدل بغير علم
لماذا اهتم أهل السنة والجماعة في علم الكلام ؟
اهتمام مذاهب أهل السنة والجماعة كمذهب ابن كلاب ومذهب الأشعري ومذهب الماتريدي بعلم الكلام لم يكن اختياراً ترفياً، بل كان ضرورة شرعية وحضارية أملتها التحديات المعرفية التي واجهت الأمة الإسلامية وتتلخص أسباب اهتمامهم به في أربعة محاور رئيسية
حفظ العقيدة من الشبهات الوافدة
بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية وحركة الترجمة، دخلت في الإسلام أمم ذات خلفيات فلسفية وعقائدية قديمة (كالفلسفة اليونانية، والديانات الفارسية والهنادكة) كان هؤلاء يثيرون شبهات عقلية محضة على الذات الإلهية، والوحي، والنبوات ولم يكن ينفع في محاججتهم القول: قال الله وقال الرسول لأنهم لا يؤمنون بالوحي أصلاً فكان لا بد من مواجهتهم بسلاحهم؛ أي بالبراهين العقلية المنطقية لإفحامهم وتثبيت عقائد المسلمين
تقرير أدلة القرآن والسنة وتأصيلها
كما أشار الإمام الشاطبي، فإن حاصل هذا العلم هو تقرير لأدلة القرآن والسنة فالقرآن يذكر الأدلة مجمعة وبأسلوب وعظي هدايتي، فجاء المتكلمون ورتبوا هذه الأدلة بصيغ منطقية محكمة (مثل دليل الحدوث، ودليل العناية، ودليل الإمكان) لتبسيطها معرفياً ودفع أي مطعن يوجه إليها
القيام بفرض الكفاية في الذب عن الدين
اعتبر العلماء أن الدفع عن حياض العقيدة هو من فروض الكفاية؛ فإذا لم يوجد في الأمة من يتقن آليات البحث العقلي والجدل لإفحام الخصوم، أثمت الأمة كلها لذا تصدى فحول العلماء كالباقلاني والجويني والغزالي والفخر الرازي والنسفي لهذا الثغر لحماية عقول عوام المسلمين من الحيرة والتشكيك
بناء الوعي المعرفي والمنهجي
أسهم علم الكلام في ضبط طرق الاستدلال عند المسلمين، وتحديد ما يجوز في حق الله تعالى وما يستحيل وما يجب، وما يجوز في حق الرسل وما يستحيل وما يجب هذا الانضباط المنهجي حمى الفكر الإسلامي من الفوضى والسيولة المعرفية
علم الكلام عند مذهب الإمام الجليل ابن كُلاّب
تكمن أهمية الإمام عبد الله بن سعيد بن كُلاّب (توفي حوالي 240هـ) في أنه أول من أسس "علم الكلام السُّني". ففي العصر العباسي، وتحديداً خلال محنة خلق القرآن، كان المعتزلة يسيطرون على الساحة الفكرية مستخدمين الأدوات العقلية
هنا ظهر الإمام ابن كُلاّب في بغداد، واختار مساراً جديداً: أنه استخدم نفس أدوات المعتزلة العقلية والمنطقية، لكن لإثبات عقائد السلف الصالح (مثل إثبات صفات الله تعالى، والرؤية، وأن القرآن كلام الله)
يقول ابن نديم في الفهرست: ابن كُلاّب هو الذي يقرر السنة في مجالس النظر
تأثر الإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي بالإمام ابن كُلاّب
تأثر إمام أهل السنة والجماعة الإمام أبو الحسن الأشعري وإمام الهدى الإمام أبو منصور الماتريدي بالإمام الجليل ابن كُلاّب تأثراً كبيراً وعميقاً، وإن كان هذا التأثر متفاوت الدوافع والملامح بينهما؛ نظراً للبيئة الجغرافية والمذهبية لكل منهما
لقد مثّل ابن كُلاّب ت 240هـ المعلم الأول للنظر العقلي السُّني، واستفاد الإمامان من أطروحته لتأسيس مدرستيهما الكلاميتين وإليك تفصيل هذا التأثر عند كل منهما
أولاً: تأثر الإمام أبي الحسن الأشعري بابن كُلاّب تأثّر مباشر ومحوري
يُعتبر الإمام الأشعري ت 324هـ الامتداد التاريخي والمعرفي الأبرز لابن كُلاّب فعندما خرج الأشعري من الاعتزال، وجد في أطروحات ابن كُلاّب الجاهزة والمدونة أرضية صلبة يقف عليها لمواجهة المعتزلة، ويتضح هذا التأثر في جانبين
التأثر المنهجي
تبنى الأشعري نفس الأدوات و استخدام مصطلحات المتكلمين وحججهم العقلية كالجوهر والعرض والحدوث لإثبات عقائد السلف، فالأشعري رأى فيه الضرورة الفكرية والسند لحفظ الدين
التأثر في المسائل العقدية الصفاتية بالذات
أخذ الإمام الأشعري عن الإمام ابن كُلاّب أهم نظرياته الكلامية، ومن أبرزها
مسألة الكلام النفسي: وهي أشهر ما نُقل عن ابن كُلاّب، حيث فرّق بين كلام الله القائم بذاته وهو قديم أزلي غير مخلوق وليس بحرف ولا صوت، وبين العبارات والألفاظ الدالة عليه المكتوبة في المصاحف والمتلوة بالألسنة هذه النظرية أخذها الأشعري بحذافيرها وأصبحت ركيزة المذهب الأشعري لحل معضلة خلق القرآن
الصفات السبع صفات المعاني: إثبات صفات الله كالحياة، العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام، وهي عينها الصفات التي ركّز عليها ابن كُلاّب تفرقةً لها عن الصفات الخبرية
حتى إن بعض المؤرخين والعلماء يطلقون على الأشعري في مرحلته الأولى بعد الاعتزال أنه كان على طريقة ابن كُلاّب، قبل أن يطور الأشعري مذهبه
المستقل
ثانياً: تأثر الإمام أبي منصور الماتريدي بابن كُلاّب تأثّر غير مباشر
عاش الإمام الماتريدي ت 333هـ في سمرقند بلاد ما وراء النهر، بعيداً عن بغداد مركز حراك مذهب ابن كلاب ومع ذلك، وصلته أفكار ابن كُلاّب عبر الكتب والرحالة من العلماء، وظهر أثرها في نتاجه الفكري
التوافق في الأهداف
التأثر هنا يظهر في أن الماتريدي سلك نفس الدرب الذي اختطه ابن كُلاّب ولاحقا الأشعري وهو المزاوجة بين النقل والعقل لكسر احتكار المعتزلة للأدوات المنطقية
مسألة الكلام النفسي
وافق الماتريدي ابن كُلاّب والأشعري في إثبات الكلام النفسي الأزلي لله تعالى، لمواجهة قول المعتزلة بخلق القرآن، مع وجود فروق دقيقة تفرد بها الماتريدية لاحقاً في التمييز بين التكليم والكلام
مثال التفرقة بين صفات الذات وصفات الأفعال
الماتريدية لديهم أصل عقائدي يختلفون فيه عن الأشاعرة، وهو أن كل صفات الأفعال أزلية قائمة بذات الله تعالى أزلاً عبر صفة التكوين ومن هنا جاء تفريقهم الدقيق بين الكلام والتكليم
الكلام: هو الصفة الذاتية الأزلية القائمة بذاته تعالى، والتي لا تتعلق بوجود المخلوقين، وقد وافقوا في إثباتها الأشاعرة وابن كُلّاب
التكليم: هو صفة فعلية أزلية تندرج تحت صفة التكوين، وتعني تعلّق الإرادة والقدرة الإلهية بـإيجاد وإسماع الأصوات والحروف الدالة على الكلام النفسي للمخلوق في وقت محدد كإسماعه لموسى أو جبريل عليهما السلام فالتكليم هو الفعل الأزلي، أما الحروف والأصوات المسموعة فهي الأثر الحادث المخلوق في المحل
الفرق الدقيق عند الماتريدية
التكليم كـتعلّق فعلي يتوقف على وجود المُخاطَب الحادث؛ فلولا وجود موسى لَمَا وُجِد هذا التعلّق الفعلي الدالّ عليه التكليم، في حين أن الكلام النفسي صفة الذات والتكوين أصل صفات الأفعال كلاهما قائمان بالله تعالى أزلاً قبل وجود موسى وقبل وجود الخلق كلهم
الاختلاف والتفرد حدود التأثر
رغم التأثر، كان الماتريدي أكثر استقلالية؛ حيث كان يرتكز على إرث فقهي ونظري صلب تركه الإمام أبو حنيفة النعمان في رسائله العقائدية الخمس مثل الفقه الأكبر، لذا مال الماتريدي في بعض المسائل إلى تسيير العقل لمساحة أبعد مما فعل ابن كُلاّب والأشعري مثل إثبات صفة التكوين كصفة أزلية مستقلة، والقول بالتحسين والتقبيح العقليين في بعض الوجوه
يمكن تشبيه الإمام الجليل ابن كُلاّب بالمهندس الذي وضع المخطط الأولي واللبنات الأساسية لكيفية صياغة عقيدة سُنية بأدوات عقلية، ثم جاء الإمام الأشعري والإمام الماتريدي فبنيا على هذا المخطط صرحين معرفيين عظيمين، هما اللذان كُتب لهما البقاء والاستمرار والانتشار في الأمة شرقاً وغرباً، ليتسع البناء ويتجاوز مجرد النقل عن ابن كُلاّب إلى مرحلة التحرير، والتطوير، والتقعيد الشامل
لم ينظر هؤلاء الأعلام إلى علم الكلام على أنه دينٌ جديد أو بديل عن النص، بل رأوه خادماً للنص ويمكن تلخيص رؤيتهم له في النقاط التالية
أداة لبيان معقولية الإيمان: آمن الأشاعرة والماتريدية أن النقل والعقل صنوان لا يفترقان، وأن الوحي لا يأتي بما يمنعه العقل، وإن كان قد يأتي بما يحار فيه العقل فعلم الكلام عندهم هو الصياغة الفلسفية المنضبطة بضوابط الشرع لإثبات هذا التوافق
منهج وسطي بين الغلو والتقصير: جاء منهجهم كلامياً ليرد على اتجاهين: اتجاه الحشوية والمجسمة الذين جمدوا على ظواهر النصوص حتى وقعوا في التشبيه والتجسيم، واتجاه المعتزلة والفلاسفة الذين غلّبوا العقل على النقل حتى ردوا بعض الثوابت الشرعية فكان علم الكلام الكُلابي والأشعري والماتريدي يوازن بين سلطة النص ومكانة العقل
المسائل التي أثبتها علم الكلام السني
ركّزت مذاهب أهل السنة والجماعة الكُلابية، والأشعرية، والماتريدية جهودها عبر علم الكلام لإثبات أصول العقائد التي جاء بها الوحي، والرد على منكريها من الفلاسفة والمعتزلة والمجسمة
ورغم أن غايتهم الكبرى كانت واحدة وهي إثبات التوحيد والنبوات والمعاد، إلا أن لكل مذهب مسائل مركزية ومحددة صاغوا لها براهين كلامية خاصة، وجاءت كالآتي
أولاً: المسائل التي أثبتها مذهب الإمام ابن كُلاّب
كان ابن كُلاّب ت 240هـ يهدف إلى إثبات عقائد السلف بأدوات كلامية، وأبرز ما أثبته وقعده
إثبات الكلام النفسي لله تعالى: وهي المسألة التي اشتُهر بها، أثبت أن كلام الله صفة قائمة بذاته أزلية ليست بحرف ولا صوت، وأن القرآن المكتوب في المصاحف والمتلو بالألسن هو حكاية أو عبارة عن ذلك الكلام الأزلي، وبذلك أبطل قول المعتزلة بخلق القرآن دون الوقوع في التشبيه
إثبات صفات المعاني الأزلية القائمة بالذات: أثبت أن الله موصوف بصفات أزلية كالعلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، رداً على المعتزلة الذين قالوا إن الله عالم بذاته بلا علم، وقادر بذاته بلا قدرة
نفي حلول الحوادث في الذات الإلهية: أثبت أن ذات الله تعالى منزهة عن أن تحل فيها أفعال حادثة تبدأ وتنتهي، بناءً على قاعدة أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث
ثانياً: المسائل التي أثبتها مذهب الإمام الأشعري
توسع الإمام الأشعري ت 324هـ وتلاميذه من بعده في تقييد الأدلة وتأسيس منهج كلامي متكامل، وأبرز ما أثبتوه
دليل حدوث العالم و إثبات وجود الله تعالى: أثبتوا وجود الله عبر برهان عقلي صارم فالعالم متغير، وكل متغير حادث، وكل حادث لا بد له من مُحدث قديم وهو الله، وصاغوا لذلك قواعد الجوهر الفرد والأعراض
إثبات جواز رؤية الله في الآخرة: صاغوا برهاناً عقلياً لإثبات أن الله يُرى في الآخرة بلا كيف ولا جهة ولا المقابلة؛ رداً على المعتزلة الذين أحالوا الرؤية عقلاً
نظرية الكسب في أفعال العباد: أثبتوا بها وسطية أهل السنة؛ فخلق الأفعال لله تعالى وحده خلقاً وإيجاداً، وللعبد فيها كسب واختيار تترتب عليه المحاسبة، وبذلك أبطلوا قول الجبرية الذين نفوا إرادة العبد تماماً وقول القدرية (المعتزلة) الذين جعلوا العبد خالقاً لفعله
التحسين والتقبيح الشرعيان: أثبتوا أن العقل لا يستقل بمعرفة حُكم الله في الأفعال من حيث الحسن والقبح قبل ورود الشرع، بل الشرع هو الذي يُحسّن ويُقبّح، والعقل يفهم أمر الشرع
ثالثاً: المسائل التي أثبتها مذهب الإمام الماتريدي
انطلق الإمام الماتريدي ت 333هـ من مدرسة الإمام أبي حنيفة، وأعطى للعقل مساحة أوسع في الربط بين الحكمة والشرع، وأبرز ما أثبته
إثبات صفة التكوين كصفة أزلية: تميز الماتريدية بإثبات أن التكوين وهو الفعل كالخلق والرزق والإحياء والإماتة صفة أزلية قائمة بذات الله كالعلم والقدرة، وليس صفة حادثة تقع عند خلق المخلوق وهنا خالفوا الأشاعرة الذين قالوا إن التكوين تنجيز حادث للقدرة والإرادة الأزلية
إثبات الحكمة الإلهية وتعليل أفعال الله: أثبتوا أن أفعال الله تعالى كلها معللة بالحكمة والمصلحة، وأنه سبحانه لا يفعل شيئاً عبثاً، تنزيهاً لجنابه الحكيم
التحسين والتقبيح العقليان في الجملة: أثبتوا أن العقل يستطيع إدراك حسن بعض الأشياء وقبحها كحسن الصدق وقبح الظلم حتى قبل ورود الشرع، لكن الثواب والعقاب لا يثبتان إلا بالشرع وهذا موقف وسط
إثبات عدم تكليف ما لا يُطاق: أثبتوا أن الله تعالى لا يكلف العباد عقلاً بشرعٍ يعجزون عن فعله عجزاً تاماً، لأن ذلك ينافي الحكمة
أعلام علماء علم الكلام من أهل السنة والجماعة
أولا: أكابر المذهب الكُلّابي مرحلة التأسيس والتمهيد
الإمام عبد الله بن سعيد بن كُلاّب ت 240هـ المؤسس والمنظر الأول، وصاحب كتاب الصفات وكان مناظراً فذاً للمعتزلة في بغداد
الإمام الحارث المحاسبي ت 243هـ العارف الزاهد الشهير، وصاحب كتاب الرعاية لحقوق الله، كان يستعمل مذهب ابن كُلاب العقلي في تدوين العقائد ومحاجة المبتدعة بجانب تميزه في علم الأخلاق
الإمام أبو العباس القلانسي من علماء القرن الثالث الهجري من كبار متكلمي هذه المرحلة، وله مساهمات جليلة في ضبط مسائل الصفات والقدر، وأثنى عليه الإمام الأشعري في كتبه
ثانياً: أكابر المذهب الأشعري مرحلة النضج والانتشار
انقسم تاريخ المدرسة الأشعرية إلى مرحلتين رئيسيتين مرحلة المتقدمين التي ركزت على إبطال حجج المعتزلة بأدواتهم، ومرحلة المتأخرين التي دمجت المنطق بعلم الكلام لضبط الاستدلال
طبقة المتقدمين المؤسسون والحفاظ
الإمام أبو الحسن الأشعري ت 324هـ إمام الطائفة ومؤسس المذهب، صنف مقالات الإسلاميين واللمع، تميز بنقل المذهب من دائرة الأفكار المحلية إلى مدرسة جامعة
الإمام القاضي أبو بكر الباقلاني ت 403هـ يُلقب بـلسان الأمة، وهو الذي قعّد القواعد الكلامية للمذهب الأشعري ورتبه، ومن أشهر كتبه التمهيد
الإمام أبو بكر بن فورك ت 406هـ الحافظ الأصولي والمتكلم الكبير، جمع آراء الإمام الأشعري وضبطها في كتابه القيم مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري
الإمام أبو إسحاق الإسفراييني ت 418هـ الملقب بـركن الدين، كان أحد أركان المدرسة الأشعرية في خراسان وله مصنفات مفقودة في العقليات نقل عنها من جاء بعده
إمام الحرمين أبو المعالي الجويني ت 478هـ شيخ الشافعية في وقته، صنف الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد والشامل، وهو أستاذ الإمام الغزالي
طبقة المتأخرين مرحلة الدمج المنطقي والفلسفي
الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي ت 505هـ مجدد القرن الخامس، الذي درس الفلسفة ونقدها في تهافت الفلاسفة، وأدخل المنطق الصوري كأداة قطعية في علم الكلام وأصول الفقه عبر كتابه المستصفى والاقتصاد في الاعتقاد
الإمام فخر الدين الرازي ت 606هـ وهو صاحب أساس التقديس والتفسير الكبير مفاتيح الغيب يمثل مدرسة التدقيق في الكلام
الإمام سيف الدين الآمدي ت 631هـ صاحب كتاب غاية المرام في علم الكلام وأبكار الأفكار في أصول الدين، تميز بأسلوبه المنطقي الصارم في عرض المسائل الكلامية
الإمام سعد الدين التفتازاني ت 793هـ صاحب شرح العقائد النسفية وشرح المقاصد، وكتبه تصنف كأهم المراجع الدراسية في المعاهد الإسلامية الكبرى كالأزهر والزيتونة
الإمام الشريف الجرجاني ت 816هـ صاحب شرح المواقف للإيجي، وهو موسوعة كلامية متكاملة تُمثل ذروة ما وصل إليه الفكر الكلامي الأشعري من حيث الضبط والشمول
ثالثاً: أكابر المذهب الماتريدي مدرسة ما وراء النهر
الإمام أبو منصور الماتريدي ت 333هـ إمام المذهب ومؤسسه المعاصر للإمام الأشعري، صنف كتاب التوحيد وهو عمدة المذهب، وكتاب تأويلات أهل السنة في التفسير
الإمام أبو اليسر الصَّفَّار الأنصاري ت 534هـ صاحب كتاب تلخيص الأدلة لقواعد التوحيد، وهو من الكتب المحورية التي بسطت آراء الإمام الماتريدي
الإمام أبو المعين النسفي ت 508هـ يُعتبر الباقلانيَّ بالنسبة للماتريدية؛ فهو الذي نشر المذهب وقعد قواعده وحرره ونصر آراءه في كتابه الشهير تبصرة الأدلة، وهو أهم كتاب ماتريدي بعد كتاب التوحيد للمؤسس
الإمام نجم الدين عمر النسفي ت 537هـ صاحب العقائد النسفية، وهو المتن الأكثر شهرة وقبولاً في علم الكلام السني، والذي وضعت عليه عشرات الشروح والحواشي
الإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي ت 861هـ صاحب كتاب المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة، وهو من كبار المحققين الذين وازنوا وقارنوا بين المذهبين الأشعري والماتريدي موضحاً نقاط الاتفاق والاختلاف الفكري بينهما
خلاصة
إن علم الكلام عند علماء الإسلام المحققين — كالأشاعرة والماتريدية — لم يكن خروجاً عن جادة السلف، بل كان امتثالاً لأمر الله في جدال المخالفين بالتي هي أحسن وكما قال الإمام الغزالي في المنقذ من الضلال موضحاً وظيفة هذا العلم
"فنهضت طائفة من المتكلمين للقيام بهذه السنة، وحراسة العقيدة المأثورة عن الحق، والذب عنها ضد تخرصات المبتدعة"
فهو علمٌ وسيلتُه العقل والنظر، وغايتُه الإذعان لرب البشر، وحاصلُه — كما قرر الشاطبي — تقرير وتأييد لما جاء في الوحيين
إن انطلاق الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه الحافل الاعتصام من هذا التأصيل يضع أيدينا على حقيقة علم الكلام وغايته عند من صنفوا فيه من أهل السنة والجماعة فعلم الكلام في جوهره لم يكن ترفاً فكرياً، بل كان درعاً منهجياً صيغ بأدوات العقل لخدمة وحي النقل، وتقرير عقائد الوحي وحمايتها
في هذا البحث، نستعرض ماهية هذا العلم، وما يعنيه عند أبرز المدارس التي حملت لواءه؛ السادة الأشاعرة والسادة الماتريدية، والأسباب التي دفعتهم للاهتمام به
ما هو علم الكلام؟ (المفهوم والدلالة)
يمكن تعريف علم الكلام بأنه: علمٌ يُقتدر به على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج عليها ودفع الشُّبَه عنها
لم يكن هذا العلم غريباً عن مشكاة القرآن والسنة؛ فالقرآن مليء بالمحاججات العقلية لخصوم الإسلام. لكن علم الكلام كعلم مُدوّن له قواعده ومصطلحاته، نشأ استجابةً لظروف تاريخية ومعرفية معينة، حيث تداخلت فيه قوتان
قوة الوحي: وهي المضمون والغاية (تقريب عقائد التوحيد، والنبوة، والمعاد)
قوة العقل: وهي الأداة والمنهج (استخدام القياس المنطقي، والبراهين العقلية لملء المساحة الجدلية مع المخالفين)
علاقة علم الكلام بالجدل عُرف علم الكلام بأنه علم يُكتسب به اقتدار الإيراد على الحجة ودفع الشبهة، والجدل هو التقابل في الحجة لإثبات الحق أو إبطال الباطل ولما كان علم الكلام قائماً على إثبات العقائد الإيمانية بالعقل والمنطق، فقد اعتمد كلياً على المناظرة والجدل الكلامي
ظهرت الحاجة إلى الجدل الكلامي نتيجة لدخول أصحاب الديانات الأخرى والفلاسفة والفرق المخالفة في الإسلام، مما استدعى من المتكلمين استخدام آليات الحجاج والجدل للرد عليهم بلغتهم الاستدلالية
صنّف علماء الكلام كتباً مستقلة في أدب الجدل والمناظرة مثل آداب الجدال للآمدي وغيره لتنظيم قواعد الحوار وإقامة الحجة ودفع الشبهات بشكل علمي ومنهجي
والجدل له شواهد من القرآن فقد قال تعالى: ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ 125 وقال تعالى أيضا
وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [سورة العنكبوت: 46]
والجدل ينقسم في الإسلام إلى نوعين
جدل ممدوح: وهو الجدل بالحق وبالتي هي أحسن لإظهار الحقيقة ودفع الشبهات وإثبات التوحيد، وهو جوهر ومادة علم الكلام
جدل مذموم: وهو الجدل بالباطل، أو المراء لغرض العناد، أو الجدل بغير علم
لماذا اهتم أهل السنة والجماعة في علم الكلام ؟
اهتمام مذاهب أهل السنة والجماعة كمذهب ابن كلاب ومذهب الأشعري ومذهب الماتريدي بعلم الكلام لم يكن اختياراً ترفياً، بل كان ضرورة شرعية وحضارية أملتها التحديات المعرفية التي واجهت الأمة الإسلامية وتتلخص أسباب اهتمامهم به في أربعة محاور رئيسية
حفظ العقيدة من الشبهات الوافدة
بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية وحركة الترجمة، دخلت في الإسلام أمم ذات خلفيات فلسفية وعقائدية قديمة (كالفلسفة اليونانية، والديانات الفارسية والهنادكة) كان هؤلاء يثيرون شبهات عقلية محضة على الذات الإلهية، والوحي، والنبوات ولم يكن ينفع في محاججتهم القول: قال الله وقال الرسول لأنهم لا يؤمنون بالوحي أصلاً فكان لا بد من مواجهتهم بسلاحهم؛ أي بالبراهين العقلية المنطقية لإفحامهم وتثبيت عقائد المسلمين
تقرير أدلة القرآن والسنة وتأصيلها
كما أشار الإمام الشاطبي، فإن حاصل هذا العلم هو تقرير لأدلة القرآن والسنة فالقرآن يذكر الأدلة مجمعة وبأسلوب وعظي هدايتي، فجاء المتكلمون ورتبوا هذه الأدلة بصيغ منطقية محكمة (مثل دليل الحدوث، ودليل العناية، ودليل الإمكان) لتبسيطها معرفياً ودفع أي مطعن يوجه إليها
القيام بفرض الكفاية في الذب عن الدين
اعتبر العلماء أن الدفع عن حياض العقيدة هو من فروض الكفاية؛ فإذا لم يوجد في الأمة من يتقن آليات البحث العقلي والجدل لإفحام الخصوم، أثمت الأمة كلها لذا تصدى فحول العلماء كالباقلاني والجويني والغزالي والفخر الرازي والنسفي لهذا الثغر لحماية عقول عوام المسلمين من الحيرة والتشكيك
بناء الوعي المعرفي والمنهجي
أسهم علم الكلام في ضبط طرق الاستدلال عند المسلمين، وتحديد ما يجوز في حق الله تعالى وما يستحيل وما يجب، وما يجوز في حق الرسل وما يستحيل وما يجب هذا الانضباط المنهجي حمى الفكر الإسلامي من الفوضى والسيولة المعرفية
علم الكلام عند مذهب الإمام الجليل ابن كُلاّب
تكمن أهمية الإمام عبد الله بن سعيد بن كُلاّب (توفي حوالي 240هـ) في أنه أول من أسس "علم الكلام السُّني". ففي العصر العباسي، وتحديداً خلال محنة خلق القرآن، كان المعتزلة يسيطرون على الساحة الفكرية مستخدمين الأدوات العقلية
هنا ظهر الإمام ابن كُلاّب في بغداد، واختار مساراً جديداً: أنه استخدم نفس أدوات المعتزلة العقلية والمنطقية، لكن لإثبات عقائد السلف الصالح (مثل إثبات صفات الله تعالى، والرؤية، وأن القرآن كلام الله)
يقول ابن نديم في الفهرست: ابن كُلاّب هو الذي يقرر السنة في مجالس النظر
تأثر الإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي بالإمام ابن كُلاّب
تأثر إمام أهل السنة والجماعة الإمام أبو الحسن الأشعري وإمام الهدى الإمام أبو منصور الماتريدي بالإمام الجليل ابن كُلاّب تأثراً كبيراً وعميقاً، وإن كان هذا التأثر متفاوت الدوافع والملامح بينهما؛ نظراً للبيئة الجغرافية والمذهبية لكل منهما
لقد مثّل ابن كُلاّب ت 240هـ المعلم الأول للنظر العقلي السُّني، واستفاد الإمامان من أطروحته لتأسيس مدرستيهما الكلاميتين وإليك تفصيل هذا التأثر عند كل منهما
أولاً: تأثر الإمام أبي الحسن الأشعري بابن كُلاّب تأثّر مباشر ومحوري
يُعتبر الإمام الأشعري ت 324هـ الامتداد التاريخي والمعرفي الأبرز لابن كُلاّب فعندما خرج الأشعري من الاعتزال، وجد في أطروحات ابن كُلاّب الجاهزة والمدونة أرضية صلبة يقف عليها لمواجهة المعتزلة، ويتضح هذا التأثر في جانبين
التأثر المنهجي
تبنى الأشعري نفس الأدوات و استخدام مصطلحات المتكلمين وحججهم العقلية كالجوهر والعرض والحدوث لإثبات عقائد السلف، فالأشعري رأى فيه الضرورة الفكرية والسند لحفظ الدين
التأثر في المسائل العقدية الصفاتية بالذات
أخذ الإمام الأشعري عن الإمام ابن كُلاّب أهم نظرياته الكلامية، ومن أبرزها
مسألة الكلام النفسي: وهي أشهر ما نُقل عن ابن كُلاّب، حيث فرّق بين كلام الله القائم بذاته وهو قديم أزلي غير مخلوق وليس بحرف ولا صوت، وبين العبارات والألفاظ الدالة عليه المكتوبة في المصاحف والمتلوة بالألسنة هذه النظرية أخذها الأشعري بحذافيرها وأصبحت ركيزة المذهب الأشعري لحل معضلة خلق القرآن
الصفات السبع صفات المعاني: إثبات صفات الله كالحياة، العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام، وهي عينها الصفات التي ركّز عليها ابن كُلاّب تفرقةً لها عن الصفات الخبرية
حتى إن بعض المؤرخين والعلماء يطلقون على الأشعري في مرحلته الأولى بعد الاعتزال أنه كان على طريقة ابن كُلاّب، قبل أن يطور الأشعري مذهبه
المستقل
ثانياً: تأثر الإمام أبي منصور الماتريدي بابن كُلاّب تأثّر غير مباشر
عاش الإمام الماتريدي ت 333هـ في سمرقند بلاد ما وراء النهر، بعيداً عن بغداد مركز حراك مذهب ابن كلاب ومع ذلك، وصلته أفكار ابن كُلاّب عبر الكتب والرحالة من العلماء، وظهر أثرها في نتاجه الفكري
التوافق في الأهداف
التأثر هنا يظهر في أن الماتريدي سلك نفس الدرب الذي اختطه ابن كُلاّب ولاحقا الأشعري وهو المزاوجة بين النقل والعقل لكسر احتكار المعتزلة للأدوات المنطقية
مسألة الكلام النفسي
وافق الماتريدي ابن كُلاّب والأشعري في إثبات الكلام النفسي الأزلي لله تعالى، لمواجهة قول المعتزلة بخلق القرآن، مع وجود فروق دقيقة تفرد بها الماتريدية لاحقاً في التمييز بين التكليم والكلام
مثال التفرقة بين صفات الذات وصفات الأفعال
الماتريدية لديهم أصل عقائدي يختلفون فيه عن الأشاعرة، وهو أن كل صفات الأفعال أزلية قائمة بذات الله تعالى أزلاً عبر صفة التكوين ومن هنا جاء تفريقهم الدقيق بين الكلام والتكليم
الكلام: هو الصفة الذاتية الأزلية القائمة بذاته تعالى، والتي لا تتعلق بوجود المخلوقين، وقد وافقوا في إثباتها الأشاعرة وابن كُلّاب
التكليم: هو صفة فعلية أزلية تندرج تحت صفة التكوين، وتعني تعلّق الإرادة والقدرة الإلهية بـإيجاد وإسماع الأصوات والحروف الدالة على الكلام النفسي للمخلوق في وقت محدد كإسماعه لموسى أو جبريل عليهما السلام فالتكليم هو الفعل الأزلي، أما الحروف والأصوات المسموعة فهي الأثر الحادث المخلوق في المحل
الفرق الدقيق عند الماتريدية
التكليم كـتعلّق فعلي يتوقف على وجود المُخاطَب الحادث؛ فلولا وجود موسى لَمَا وُجِد هذا التعلّق الفعلي الدالّ عليه التكليم، في حين أن الكلام النفسي صفة الذات والتكوين أصل صفات الأفعال كلاهما قائمان بالله تعالى أزلاً قبل وجود موسى وقبل وجود الخلق كلهم
الاختلاف والتفرد حدود التأثر
رغم التأثر، كان الماتريدي أكثر استقلالية؛ حيث كان يرتكز على إرث فقهي ونظري صلب تركه الإمام أبو حنيفة النعمان في رسائله العقائدية الخمس مثل الفقه الأكبر، لذا مال الماتريدي في بعض المسائل إلى تسيير العقل لمساحة أبعد مما فعل ابن كُلاّب والأشعري مثل إثبات صفة التكوين كصفة أزلية مستقلة، والقول بالتحسين والتقبيح العقليين في بعض الوجوه
يمكن تشبيه الإمام الجليل ابن كُلاّب بالمهندس الذي وضع المخطط الأولي واللبنات الأساسية لكيفية صياغة عقيدة سُنية بأدوات عقلية، ثم جاء الإمام الأشعري والإمام الماتريدي فبنيا على هذا المخطط صرحين معرفيين عظيمين، هما اللذان كُتب لهما البقاء والاستمرار والانتشار في الأمة شرقاً وغرباً، ليتسع البناء ويتجاوز مجرد النقل عن ابن كُلاّب إلى مرحلة التحرير، والتطوير، والتقعيد الشامل
لم ينظر هؤلاء الأعلام إلى علم الكلام على أنه دينٌ جديد أو بديل عن النص، بل رأوه خادماً للنص ويمكن تلخيص رؤيتهم له في النقاط التالية
أداة لبيان معقولية الإيمان: آمن الأشاعرة والماتريدية أن النقل والعقل صنوان لا يفترقان، وأن الوحي لا يأتي بما يمنعه العقل، وإن كان قد يأتي بما يحار فيه العقل فعلم الكلام عندهم هو الصياغة الفلسفية المنضبطة بضوابط الشرع لإثبات هذا التوافق
منهج وسطي بين الغلو والتقصير: جاء منهجهم كلامياً ليرد على اتجاهين: اتجاه الحشوية والمجسمة الذين جمدوا على ظواهر النصوص حتى وقعوا في التشبيه والتجسيم، واتجاه المعتزلة والفلاسفة الذين غلّبوا العقل على النقل حتى ردوا بعض الثوابت الشرعية فكان علم الكلام الكُلابي والأشعري والماتريدي يوازن بين سلطة النص ومكانة العقل
المسائل التي أثبتها علم الكلام السني
ركّزت مذاهب أهل السنة والجماعة الكُلابية، والأشعرية، والماتريدية جهودها عبر علم الكلام لإثبات أصول العقائد التي جاء بها الوحي، والرد على منكريها من الفلاسفة والمعتزلة والمجسمة
ورغم أن غايتهم الكبرى كانت واحدة وهي إثبات التوحيد والنبوات والمعاد، إلا أن لكل مذهب مسائل مركزية ومحددة صاغوا لها براهين كلامية خاصة، وجاءت كالآتي
أولاً: المسائل التي أثبتها مذهب الإمام ابن كُلاّب
كان ابن كُلاّب ت 240هـ يهدف إلى إثبات عقائد السلف بأدوات كلامية، وأبرز ما أثبته وقعده
إثبات الكلام النفسي لله تعالى: وهي المسألة التي اشتُهر بها، أثبت أن كلام الله صفة قائمة بذاته أزلية ليست بحرف ولا صوت، وأن القرآن المكتوب في المصاحف والمتلو بالألسن هو حكاية أو عبارة عن ذلك الكلام الأزلي، وبذلك أبطل قول المعتزلة بخلق القرآن دون الوقوع في التشبيه
إثبات صفات المعاني الأزلية القائمة بالذات: أثبت أن الله موصوف بصفات أزلية كالعلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، رداً على المعتزلة الذين قالوا إن الله عالم بذاته بلا علم، وقادر بذاته بلا قدرة
نفي حلول الحوادث في الذات الإلهية: أثبت أن ذات الله تعالى منزهة عن أن تحل فيها أفعال حادثة تبدأ وتنتهي، بناءً على قاعدة أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث
ثانياً: المسائل التي أثبتها مذهب الإمام الأشعري
توسع الإمام الأشعري ت 324هـ وتلاميذه من بعده في تقييد الأدلة وتأسيس منهج كلامي متكامل، وأبرز ما أثبتوه
دليل حدوث العالم و إثبات وجود الله تعالى: أثبتوا وجود الله عبر برهان عقلي صارم فالعالم متغير، وكل متغير حادث، وكل حادث لا بد له من مُحدث قديم وهو الله، وصاغوا لذلك قواعد الجوهر الفرد والأعراض
إثبات جواز رؤية الله في الآخرة: صاغوا برهاناً عقلياً لإثبات أن الله يُرى في الآخرة بلا كيف ولا جهة ولا المقابلة؛ رداً على المعتزلة الذين أحالوا الرؤية عقلاً
نظرية الكسب في أفعال العباد: أثبتوا بها وسطية أهل السنة؛ فخلق الأفعال لله تعالى وحده خلقاً وإيجاداً، وللعبد فيها كسب واختيار تترتب عليه المحاسبة، وبذلك أبطلوا قول الجبرية الذين نفوا إرادة العبد تماماً وقول القدرية (المعتزلة) الذين جعلوا العبد خالقاً لفعله
التحسين والتقبيح الشرعيان: أثبتوا أن العقل لا يستقل بمعرفة حُكم الله في الأفعال من حيث الحسن والقبح قبل ورود الشرع، بل الشرع هو الذي يُحسّن ويُقبّح، والعقل يفهم أمر الشرع
ثالثاً: المسائل التي أثبتها مذهب الإمام الماتريدي
انطلق الإمام الماتريدي ت 333هـ من مدرسة الإمام أبي حنيفة، وأعطى للعقل مساحة أوسع في الربط بين الحكمة والشرع، وأبرز ما أثبته
إثبات صفة التكوين كصفة أزلية: تميز الماتريدية بإثبات أن التكوين وهو الفعل كالخلق والرزق والإحياء والإماتة صفة أزلية قائمة بذات الله كالعلم والقدرة، وليس صفة حادثة تقع عند خلق المخلوق وهنا خالفوا الأشاعرة الذين قالوا إن التكوين تنجيز حادث للقدرة والإرادة الأزلية
إثبات الحكمة الإلهية وتعليل أفعال الله: أثبتوا أن أفعال الله تعالى كلها معللة بالحكمة والمصلحة، وأنه سبحانه لا يفعل شيئاً عبثاً، تنزيهاً لجنابه الحكيم
التحسين والتقبيح العقليان في الجملة: أثبتوا أن العقل يستطيع إدراك حسن بعض الأشياء وقبحها كحسن الصدق وقبح الظلم حتى قبل ورود الشرع، لكن الثواب والعقاب لا يثبتان إلا بالشرع وهذا موقف وسط
إثبات عدم تكليف ما لا يُطاق: أثبتوا أن الله تعالى لا يكلف العباد عقلاً بشرعٍ يعجزون عن فعله عجزاً تاماً، لأن ذلك ينافي الحكمة
أعلام علماء علم الكلام من أهل السنة والجماعة
أولا: أكابر المذهب الكُلّابي مرحلة التأسيس والتمهيد
الإمام عبد الله بن سعيد بن كُلاّب ت 240هـ المؤسس والمنظر الأول، وصاحب كتاب الصفات وكان مناظراً فذاً للمعتزلة في بغداد
الإمام الحارث المحاسبي ت 243هـ العارف الزاهد الشهير، وصاحب كتاب الرعاية لحقوق الله، كان يستعمل مذهب ابن كُلاب العقلي في تدوين العقائد ومحاجة المبتدعة بجانب تميزه في علم الأخلاق
الإمام أبو العباس القلانسي من علماء القرن الثالث الهجري من كبار متكلمي هذه المرحلة، وله مساهمات جليلة في ضبط مسائل الصفات والقدر، وأثنى عليه الإمام الأشعري في كتبه
ثانياً: أكابر المذهب الأشعري مرحلة النضج والانتشار
انقسم تاريخ المدرسة الأشعرية إلى مرحلتين رئيسيتين مرحلة المتقدمين التي ركزت على إبطال حجج المعتزلة بأدواتهم، ومرحلة المتأخرين التي دمجت المنطق بعلم الكلام لضبط الاستدلال
طبقة المتقدمين المؤسسون والحفاظ
الإمام أبو الحسن الأشعري ت 324هـ إمام الطائفة ومؤسس المذهب، صنف مقالات الإسلاميين واللمع، تميز بنقل المذهب من دائرة الأفكار المحلية إلى مدرسة جامعة
الإمام القاضي أبو بكر الباقلاني ت 403هـ يُلقب بـلسان الأمة، وهو الذي قعّد القواعد الكلامية للمذهب الأشعري ورتبه، ومن أشهر كتبه التمهيد
الإمام أبو بكر بن فورك ت 406هـ الحافظ الأصولي والمتكلم الكبير، جمع آراء الإمام الأشعري وضبطها في كتابه القيم مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري
الإمام أبو إسحاق الإسفراييني ت 418هـ الملقب بـركن الدين، كان أحد أركان المدرسة الأشعرية في خراسان وله مصنفات مفقودة في العقليات نقل عنها من جاء بعده
إمام الحرمين أبو المعالي الجويني ت 478هـ شيخ الشافعية في وقته، صنف الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد والشامل، وهو أستاذ الإمام الغزالي
طبقة المتأخرين مرحلة الدمج المنطقي والفلسفي
الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي ت 505هـ مجدد القرن الخامس، الذي درس الفلسفة ونقدها في تهافت الفلاسفة، وأدخل المنطق الصوري كأداة قطعية في علم الكلام وأصول الفقه عبر كتابه المستصفى والاقتصاد في الاعتقاد
الإمام فخر الدين الرازي ت 606هـ وهو صاحب أساس التقديس والتفسير الكبير مفاتيح الغيب يمثل مدرسة التدقيق في الكلام
الإمام سيف الدين الآمدي ت 631هـ صاحب كتاب غاية المرام في علم الكلام وأبكار الأفكار في أصول الدين، تميز بأسلوبه المنطقي الصارم في عرض المسائل الكلامية
الإمام سعد الدين التفتازاني ت 793هـ صاحب شرح العقائد النسفية وشرح المقاصد، وكتبه تصنف كأهم المراجع الدراسية في المعاهد الإسلامية الكبرى كالأزهر والزيتونة
الإمام الشريف الجرجاني ت 816هـ صاحب شرح المواقف للإيجي، وهو موسوعة كلامية متكاملة تُمثل ذروة ما وصل إليه الفكر الكلامي الأشعري من حيث الضبط والشمول
ثالثاً: أكابر المذهب الماتريدي مدرسة ما وراء النهر
الإمام أبو منصور الماتريدي ت 333هـ إمام المذهب ومؤسسه المعاصر للإمام الأشعري، صنف كتاب التوحيد وهو عمدة المذهب، وكتاب تأويلات أهل السنة في التفسير
الإمام أبو اليسر الصَّفَّار الأنصاري ت 534هـ صاحب كتاب تلخيص الأدلة لقواعد التوحيد، وهو من الكتب المحورية التي بسطت آراء الإمام الماتريدي
الإمام أبو المعين النسفي ت 508هـ يُعتبر الباقلانيَّ بالنسبة للماتريدية؛ فهو الذي نشر المذهب وقعد قواعده وحرره ونصر آراءه في كتابه الشهير تبصرة الأدلة، وهو أهم كتاب ماتريدي بعد كتاب التوحيد للمؤسس
الإمام نجم الدين عمر النسفي ت 537هـ صاحب العقائد النسفية، وهو المتن الأكثر شهرة وقبولاً في علم الكلام السني، والذي وضعت عليه عشرات الشروح والحواشي
الإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي ت 861هـ صاحب كتاب المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة، وهو من كبار المحققين الذين وازنوا وقارنوا بين المذهبين الأشعري والماتريدي موضحاً نقاط الاتفاق والاختلاف الفكري بينهما
خلاصة
إن علم الكلام عند علماء الإسلام المحققين — كالأشاعرة والماتريدية — لم يكن خروجاً عن جادة السلف، بل كان امتثالاً لأمر الله في جدال المخالفين بالتي هي أحسن وكما قال الإمام الغزالي في المنقذ من الضلال موضحاً وظيفة هذا العلم
"فنهضت طائفة من المتكلمين للقيام بهذه السنة، وحراسة العقيدة المأثورة عن الحق، والذب عنها ضد تخرصات المبتدعة"
فهو علمٌ وسيلتُه العقل والنظر، وغايتُه الإذعان لرب البشر، وحاصلُه — كما قرر الشاطبي — تقرير وتأييد لما جاء في الوحيين