موقف الأشاعرة إن كلام الله قديم أزلي قائم بذاته، ويسمى بالكلام النفسي لا يحدث لله كلام حادث بعد أن لم يكن فهذا تغير، والتغير علامة على الحدوث والنقص، وذلك يقتضي حدوث صفة في الله - تعالى عن ذلك بالتالي الله لا يتكلم بصوت وحروف متجددة فالأصوات والحروف من صفات المخلوقين، فالقرآن تعبير عن الكلام النفسي الأزلي عبارة "الله يتكلم متى شاء" لا تقبل بالمعنى الحرفي، بل تفسر بأن الله يُظهر كلامه الأزلي في الوقت الذي يشاء، بواسطة جبريل أو الوحي
موقف الماتريدية الماتريدية قريبون جدًا من الأشاعرة فالكلام صفة قديمة أزلية، لا تتعلق بالمشيئة في أصلها الله يُسمع كلامه ويُظهره متى شاء، أي أن التعلّق بالفعل حادث، أما أصل الكلام فهو قديم فالكلام ليس حادثًا، والله يُسمع كلامه لعباده في الأوقات التي يريدها
استند الأشاعرة والماتريدية في تقرير أن كلام الله قديم أزلي لا يحْدث ولا يتجدد إلى براهين عقلية بجانب الاستدلال بالنصوص، وأبرزها
دليل امتناع الحلول والحوادث في الذات الإلهية: إن الذات الإلهية منزهة عن قبول الحوادث أو التغيير، لأن التغير يستلزم إما الانتقال من نقص إلى كمال وهو محال على الله لأنه كامل بذاته، وإما الانتقال من كمال إلى نقص وهو عين الفناء والحدوث فلو تجدد كلام الله بحسب المشيئة لصار محلاً للحوادث، والمحل للحوادث حادث مثله
عند الأشاعرة الكلام صفة ذات أزلية (الكلام النفسي)، وتعلقاته (الإظهار والإسماع) هي التي تتجسد بحسب الإرادة والأزمنة
عند الماتريدية أصل صفة الكلام قديم أزلي، ومبدأ التعلق بالمشيئة والإرادة لا يعني حدوث الصفة في ذات الله، بل حدوث "الأثر" المتمثل في الإسماع والتبليغ، فالمخلوقات هي التي تسمع وتدرك الحادث، لا أن الذات الإلهية طرأ عليها التجدد
دليل التنزيه عن صفات المخلوقين: الصوت والحرف بطبيعتهما يفتقران إلى آلة ومخارج وتركيب وزمن حيث ينطق حرف بعد حرف ويتقدم صوت على صوت، وكل ما تقضى بالزمن والتدرج فهو داخل في حيّز الإمكان والحدوث؛ ولأن الله {ليس كمثله شيء}، استحال أن تنسب إليه صفات الحدوث والتركيب الصوتي
كيف تعامل الأشاعرة والماتريدية مع الأحاديث التي ورد فيها ذكر الصوت تعامل الأشاعرة والماتريدية مع هذه الأحاديث عبر مسارين رئيسيين المسار النقدي الإسنادي عند بعضهم، والمسار التأويلي اللغوي والعقدي وهو الأعم والأشهر
المسار النقدي: الطعن في صحة بعض روايات الصوت ذهب بعض محققي ومتكلمي الأشاعرة إلى مناقشة أسانيد الأحاديث الواردة بلفظ الصوت الصريح المنسوب للذات الإلهية، واعتبروا أن بعضها رُمي بالضعف أو الشذوذ من جهة الرواية، أو أن لفظ الصوت مدرج أو مدرج بالتفسير من بعض الرواة ليس إلا، حتى إن بعضهم صنّف كتباً خاصة في تضعيف روايات الأصوات مثل الحافظ ابن المكارم المقدسي وغيره ممن نقل عنهم الحافظ ابن حجر توقفهم في إطلاق لفظ الصوت على الله
المسار التأويلي: صرف اللفظ عن ظاهره الواهم للتشبيه أمّا الأحاديث التي صحّت ولم يمكن ردّها من حيث الإسناد مثل ما ورد في الصحيحين أو السنن، فقد تعاملوا معها وفق القواعد التالية
حمل الصوت على المخلوق المنفصل لا الصفة القائمة بالذات عندما تقول الأحاديث إن الله ينادي أو يتكلم فيسمع أهل السماء صوتاً، يقرر الأشاعرة والماتريدية أن الصوت المسموع حادث ومخلوق خلقه الله في الهواء أو في الملك أو في الأجرام، وليس هو صفة أزلية قائمة بذات الله، فالله هو المتكلم حقيقةً بالكلام النفسي الأزلي، وهو خالق هذا الصوت الذي يُسمع ليبلغ عنه
تطبيق قاعدة الإضافة التببيعية أو التشريفية إضافة الصوت إلى الله في الحديث فينادي بصوت، أو يسمع صوته هي من باب إضافة الخلق إلى خالقه إضافة تشريف وتكوين، كإضافة بيت الله وناقة الله وروح الله في عيسى عليه السلام فالمعنى خلق الله صوتـاً دالاً على كلامه، فنسب الصوت إليه مجازاً أو إضافتاً لأنه خالقه وموجده، لا لأنه صفة قائمة بذاته تعالى
تأويل الظاهر لصرف العقل والتنزيه لما كان الصوت في اللغة والواقع المحسوس عبارة عن هواء يتقطع، واهتزاز أجسام، ويحتاج إلى مخارج وحنجرة وشفتين، وهذه كلها صفات أجساد ومخلوقات حادثة يمتنع اتصاف الباري بها إجماعاً، لأنها تستلزم التركيب والحدوث، وجب عقلاً ونقلاً صرف هذه الأحاديث عن ظاهرها المتبادر إلى التجسيم، وتأويلها بأن المراد بها إعلام الملائكة أو البشر بالمراد الإلهي عن طريق أصوات يخلقها الله كيف شاء ومتى شاء
الرد على أن صفة الكلام لله تتجدد وبصوت وحرف الإشكالية التي يثيرها الأشاعرة والماتريدية على قول بعض الحنابلة بأن الله يتكلم متى شاء بما شاء ترتبط بالخلاف حول طبيعة الكلام الإلهي هل هو قديم أزلي أم فعل حادث يتجدد؟
رد الأشاعرة والماتريدية إن كلام الله قديم أزلي قائم بذاته، يسمى بالكلام النفسي، لا يجوز أن يحدث لله كلام جديد بعد أن لم يكن، لأن ذلك يقتضي حدوث صفة في الله، وهو محال، وعليه ينتقدون بعض الحنابلة بقولهم إن الله يتكلم متى شاء، لأن هذا يثبت الحوادث في ذات الله
الماتريدية قريبون من الأشاعرة، لكنهم يضيفون أن جميع الصفات قديمة لا تتعلق بالمشيئة في أصلها، الله يُسمع كلامه الأزلي ويُظهره لعباده في الوقت الذي يشاء، لكن أصل الكلام ليس حادثًا
يعتبر ذلك قول إثباتًا للحوادث في ذات الله، وهو يفضي إلى القول بحدوث الله أو تغيّره، وهذا يناقض التنزيه القول بأن الله يتكلم متى شاء يفتح باب التشبيه، لأن الكلام عند البشر حادث ومتجدد لذلك الكلام صفة قديمة أزلية، ويؤولون النصوص التي تدل على التجدد بأنها إظهار للكلام الأزلي لا حدوث كلام جديد
بعض الحنابلة يرى أن القول بأن كلام الله قديم أزلي فقط، دون تجدد أو تعلق بالمشيئة، يؤدي إلى تعطيل النصوص التي تثبت أن الله كلم موسى حين ناداه، وأنه يتكلم يوم القيامة، إلخ فهو يربط بين إثبات صفة الكلام وبين وقوعها في أزمنة وأحداث مخصوصة
أما السادة الأشاعرة والماتريدية فجوابهم يقوم على التفريق بين نوعين من الكلام الكلام النفسي: وهو المعنى القائم بذات الله، قديم أزلي، ليس بصوت ولاحرف، وهو حقيقة الكلام الإلهي هذا لا يتغير ولا يتبدل لأنه صفة ذاتية قائمة بالله الكلام اللفظي: وهو ما يُسمع من الحروف والأصوات عند تبليغ الوحي أو عند مخاطبة موسى أو عند كلام الله يوم القيامة هذا حادث مخلوق، لكنه دالّ على الكلام النفسي الأزلي فالله يخلق الأصوات والحروف في محلٍّ ما لتكون معبّرة عن كلامه الأزلي
فالنصوص التي تثبت أن الله كلم موسى أو أنه يتكلم يوم القيامة لا تُعطَّل، بل تُفسَّر بأن الله أظهر كلامه الأزلي في صورة مسموعة لموسى، أو سيُظهره يوم القيامة للخلق إذن، لا تناقض بين أزلية الكلام النفسي وبين حدوث الأصوات والحروف؛ لأن الحروف والأصوات حادثة، أما المعنى الأزلي الذي تدل عليه فهو قديم بهذا نفرق بين الصفة القديمة الكلام النفسي وبين آثارها المخلوقة كالأصوات والحروف