القاعدة الكلية: مناط العذر بالجهل والتأويل عند الفقهاء يدور حول حقيقة توفر العلم وقدرة الشخص على الوصول إليه
يعذر بالجهل من كان حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة
أما موقف العلماء والفقهاء المحققين من الشخص الذي يعيش بين المسلمين (أي في دار الإسلام ونشأ في حواضر العلم)، ثم ارتكب مكفراً ظاهراً أو استحل قطعيّاً؛ هو عدم عذره بالجهل أو التأويل في هذه الحالة بالذات
ولكي تتضح الصورة بشكل دقيق وعلمي يُطابق ما سطّره الأئمة في كتبهم المعتمدة (كشرح معاني الآثار للطحاوي، ورد المحتار لابن عابدين، وشرح صحيح مسلم للنووي، وغيرها)، نورد تفصيل ضوابطهم في هذا الباب
التفرقة بين دار الإسلام ودار الحرب (أو البادية البعيدة)
هذا هو الضابط الأساسي والتأصيل الجغرافي والمعرفي عند فقهاء المذاهب، حيث قسّموا حال الجاهل والمتأول إلى قسمين
مَن لا يُعذر وهو مَن نشأ في بلاد الإسلام، وتحيط به الحواضر العلمية، وتمكّن من السؤال والتعلم لكنه قصر وفرّط، أو لَجأ إلى تأويلات ساقطة ليهرب من الأحكام العلماء يجمعون على أن الجهل والتأويل في الأحكام الظاهرة والمتواترة في حق هذا الشخص ليس عذراً؛ لأن الدار دار علم، والجهل أو الفهم المنحرف فيها يُعتبر تقصيراً وإعراضاً غير مقبول
مَن يُعذر وهو مَن كان حديث عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة جداً عن العلماء، أو عاش في بلاد خارج ديار الإسلام ولم تصل إليه الحجة الرسالية الصافية هذا الصنف فقط هو من نصّ الفقهاء على عذره بالجهل، أو قبول تأويله لشبهة عرضت له، حتى يُعلّم وتُزال شبهته
التفرقة بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية
قسّم علماء الأصول والاعتقاد السادة الأشاعرة (مثل الباقلاني، والغزالي، والرازي، والنووي، والسبكي) الأحكام الشرعية إلى مستويات
ما عُلم من الدين بالضرورة (المسائل الظاهرة)
مثل التوحيد، وتحريم الشرك، ووجوب الصلاة، وتحريم الزنا والقتل من عاش بين المسلمين وارتكب مكفراً في هذه المسائل (كسبّ الدين، أو السجود لغير الله، أو جحد الصلاة، أو استحلال المحرمات القطعية بتأويل فاسد) لا يُعذر مطلقاً؛ لأن العلم بها شائع ومستفيض لا يخفى على أحد في بيئة مسلمة، والقول بتأويلها يُعدّ جحوداً مبطناً
المسائل الخفية الدقيقة
مثل دقائق علم الكلام، أو بعض أحكام الفقه الفرعية (كأحكام المواريث المركبة، أو الشروط النادرة في البيوع، أو دقائق مسائل الصفات والأفعال) في هذه المسائل، يَعذر العلماء بالجهل والتأويل، ولا يكفرون أحداً بجهلها أو الخطأ في فهمها حتى تُقام عليه الحجة وتُبين له الأدلة وتُفكك الشبهة
نماذج من أقوال وتأصيلات العلماء
عند الحنفية (كالطحاوي، والكاساني، وابن الهمام، وملا علي القاري، وابن عابدين)
ينص الحنفية في باب أحكام المرتدين على أن من تكلم بكلمة الكفر طائعاً وهو يعيش في دار الإسلام يُحكم بكفره، ولا يُقبل منه ادعاء الجهل أو التأويل البعيد في الظاهرات يقول ابن عابدين في رد المحتار
إن الجهل بالأحكام التي تشتهر بين المسلمين لا يكون عذراً في دار الإسلام
عند الشافعية (كالنووي، وابن حجر الهيتمي، والخطيب الشربيني)
يقول الإمام النووي في شرح صحيح مسلم عند الكلام على من جحد أمراً مجمعاً عليه
هذا إذا كان الفرد ناشئاً في دار الإسلام وممن يخفى عليه ذلك، فإن كان حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم يكفر أمّا من كان مختلطاً بالمسلمين من عاداته معرفة ذلك فإنه يكفر (أي لا ينفعه ادعاء جهل ولا تأويل)
عند المالكية (كابن عبد البر، والقاضي عياض، والقرافي)
يؤكدون أن العيش بين المسلمين يُسقط دعوى الجهل والتأويل الفاسد في الأصول والقطعيات فالقاضي عياض في كتاب الشفا يقرر
أن من أظهر فعلاً أو قولاً كفرياً، وكان يعيش بين المسلمين، أُجري عليه الحكم الظاهر ولم يُلتفت إلى دعوى جهله بما هو معلوم ومستفيض، ولا إلى تأويله
الساقط
ضابط إقامة الحجة ونقض الشبهة
المنهج العام لهؤلاء العلماء (أهل السنة من أشاعرة وماتريدية وفقهاء المذاهب الأربعة) يقوم على فكرة التمكن من العلم
في حال الجهل: وجود الشخص بين المسلمين هو في حد ذاته قيام للحجة الرسالية الشائعة، وترك التعلم مع القدرة عليه تفريط لا يرفع التبعة
في حال التأويل: إن كان التأويل سائغاً في مسألة خفية، عُذر صاحبه حتى تُكشف شبهته أما إن كان تأويلاً ساقطاً يصادم المعلوم بالضرورة (كتأويلات الباطنية أو الحداثية المنفلتة)، فإنه يُلحق بالجهل الإعراضي، ولا يُلتفت إليه صيانةً لقطيعات الدين
مآلات التمييع المعاصر ومفهوم إبطال الشريعة
إن توسيع مظلة العذر بالجهل والتأويل ليشمل من يعيش بين المسلمين ويملك أدوات المعرفة ثم يستحل المحرمات أو يرفض الشريعة، يؤدي إلى مفاسد عقدية خطيرة هدمها الفقهاء
إسقاط التكليف بالتعلم
لو عذرنا كل معرض ومفرط ومأول بحجة أنه لم يفهم أو لم يعلم، لصار الجهل أفضل من العلم! ولأصبح الجاهل والمفرط في مأمن من الأحكام، بينما العالِم تضيق عليه التكاليف، وهذا قلب لجوهر الشريعة {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}
تمييع الفوارق بين الإسلام والكفر
إذا أصبح كل من نطق بالشهادتين يفعل ما يشاء من الكفريات الظاهرة (كإنكار تحكيم الشريعة أو إباحة الفواحش) معذوراً بجهله أو تأويله دائماً، فإن مفهوم الردة المجمع عليه سيُلغى تماماً من كتب الفقه، وتصبح نصوص الوعيد معطلة لا حقيقة لها
المعلوم بالضرورة لا يحتاج إلى جامعة ولا شيخ
الفقهاء عندما قسّموا الدين، جعلوا الأحكام على مرتبتين
العلم الخاص (التخصصي) كدقائق فقه البيوع، والمواريث المركبة هذا العلم يشترط فيه الدراسة، والجاهل أو المتأول فيه معذور مطلقاً حتى يُعلّم
العلم العام (الضروري) وهو ما يُعرف بـ المعلوم من الدين بالضرورة، وهو القدر الذي يشترك في معرفته العامي والعالم (كالتوحيد، وفرضية الصلاة والحجاب، وتحريم الزنا والخمر)
هذه الأحكام تنتقل في المجتمع عبر الاستفاضة والتواتر والبيئة الاجتماعية فالطفل والعامي في مجتمع مسلم يسمع الأذان، ويرى الصلاة، ويعلم تحريم الفواحش؛ هذا العلم يدخل إلى عقل الفرد بالضرورة بمجرد مخالطة المسلمين، تماماً كما يعلم أي شخص أن النار حارقة دون الحاجة لدراسة الفيزياء
الخلاصة المناط هو التمكن من السؤال وليس تحصيل الإجازة
يقول الإمام النووي والفقهاء من بعده إن الواجب على كل مسلم إذا أشكل عليه أمر في دينه، أو أراد الإقدام على فعل، أن يسأل في بلد تتوفر فيه المآذن، والمصاحف، ومواقع الفتوى، والمشايخ؛ إذا أقدم الشخص على ناقض ظاهري دون أن يكلف نفسه عناء السؤال، فإن حاله هو المعرض المستخف وليس العاجز المعذور
التمكن من العلم كالعلم نفسه في ترتب الأحكام؛ وكما أن القانون الوضعي اليوم لا يعذر أحداً بجهل القانون ما دام منشوراً في الجريدة الرسمية، فكيف بدين الله الظاهر المشهور المتمكن منه؟ !
يعذر بالجهل من كان حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة
أما موقف العلماء والفقهاء المحققين من الشخص الذي يعيش بين المسلمين (أي في دار الإسلام ونشأ في حواضر العلم)، ثم ارتكب مكفراً ظاهراً أو استحل قطعيّاً؛ هو عدم عذره بالجهل أو التأويل في هذه الحالة بالذات
ولكي تتضح الصورة بشكل دقيق وعلمي يُطابق ما سطّره الأئمة في كتبهم المعتمدة (كشرح معاني الآثار للطحاوي، ورد المحتار لابن عابدين، وشرح صحيح مسلم للنووي، وغيرها)، نورد تفصيل ضوابطهم في هذا الباب
التفرقة بين دار الإسلام ودار الحرب (أو البادية البعيدة)
هذا هو الضابط الأساسي والتأصيل الجغرافي والمعرفي عند فقهاء المذاهب، حيث قسّموا حال الجاهل والمتأول إلى قسمين
مَن لا يُعذر وهو مَن نشأ في بلاد الإسلام، وتحيط به الحواضر العلمية، وتمكّن من السؤال والتعلم لكنه قصر وفرّط، أو لَجأ إلى تأويلات ساقطة ليهرب من الأحكام العلماء يجمعون على أن الجهل والتأويل في الأحكام الظاهرة والمتواترة في حق هذا الشخص ليس عذراً؛ لأن الدار دار علم، والجهل أو الفهم المنحرف فيها يُعتبر تقصيراً وإعراضاً غير مقبول
مَن يُعذر وهو مَن كان حديث عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة جداً عن العلماء، أو عاش في بلاد خارج ديار الإسلام ولم تصل إليه الحجة الرسالية الصافية هذا الصنف فقط هو من نصّ الفقهاء على عذره بالجهل، أو قبول تأويله لشبهة عرضت له، حتى يُعلّم وتُزال شبهته
التفرقة بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية
قسّم علماء الأصول والاعتقاد السادة الأشاعرة (مثل الباقلاني، والغزالي، والرازي، والنووي، والسبكي) الأحكام الشرعية إلى مستويات
ما عُلم من الدين بالضرورة (المسائل الظاهرة)
مثل التوحيد، وتحريم الشرك، ووجوب الصلاة، وتحريم الزنا والقتل من عاش بين المسلمين وارتكب مكفراً في هذه المسائل (كسبّ الدين، أو السجود لغير الله، أو جحد الصلاة، أو استحلال المحرمات القطعية بتأويل فاسد) لا يُعذر مطلقاً؛ لأن العلم بها شائع ومستفيض لا يخفى على أحد في بيئة مسلمة، والقول بتأويلها يُعدّ جحوداً مبطناً
المسائل الخفية الدقيقة
مثل دقائق علم الكلام، أو بعض أحكام الفقه الفرعية (كأحكام المواريث المركبة، أو الشروط النادرة في البيوع، أو دقائق مسائل الصفات والأفعال) في هذه المسائل، يَعذر العلماء بالجهل والتأويل، ولا يكفرون أحداً بجهلها أو الخطأ في فهمها حتى تُقام عليه الحجة وتُبين له الأدلة وتُفكك الشبهة
نماذج من أقوال وتأصيلات العلماء
عند الحنفية (كالطحاوي، والكاساني، وابن الهمام، وملا علي القاري، وابن عابدين)
ينص الحنفية في باب أحكام المرتدين على أن من تكلم بكلمة الكفر طائعاً وهو يعيش في دار الإسلام يُحكم بكفره، ولا يُقبل منه ادعاء الجهل أو التأويل البعيد في الظاهرات يقول ابن عابدين في رد المحتار
إن الجهل بالأحكام التي تشتهر بين المسلمين لا يكون عذراً في دار الإسلام
عند الشافعية (كالنووي، وابن حجر الهيتمي، والخطيب الشربيني)
يقول الإمام النووي في شرح صحيح مسلم عند الكلام على من جحد أمراً مجمعاً عليه
هذا إذا كان الفرد ناشئاً في دار الإسلام وممن يخفى عليه ذلك، فإن كان حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم يكفر أمّا من كان مختلطاً بالمسلمين من عاداته معرفة ذلك فإنه يكفر (أي لا ينفعه ادعاء جهل ولا تأويل)
عند المالكية (كابن عبد البر، والقاضي عياض، والقرافي)
يؤكدون أن العيش بين المسلمين يُسقط دعوى الجهل والتأويل الفاسد في الأصول والقطعيات فالقاضي عياض في كتاب الشفا يقرر
أن من أظهر فعلاً أو قولاً كفرياً، وكان يعيش بين المسلمين، أُجري عليه الحكم الظاهر ولم يُلتفت إلى دعوى جهله بما هو معلوم ومستفيض، ولا إلى تأويله
الساقط
ضابط إقامة الحجة ونقض الشبهة
المنهج العام لهؤلاء العلماء (أهل السنة من أشاعرة وماتريدية وفقهاء المذاهب الأربعة) يقوم على فكرة التمكن من العلم
في حال الجهل: وجود الشخص بين المسلمين هو في حد ذاته قيام للحجة الرسالية الشائعة، وترك التعلم مع القدرة عليه تفريط لا يرفع التبعة
في حال التأويل: إن كان التأويل سائغاً في مسألة خفية، عُذر صاحبه حتى تُكشف شبهته أما إن كان تأويلاً ساقطاً يصادم المعلوم بالضرورة (كتأويلات الباطنية أو الحداثية المنفلتة)، فإنه يُلحق بالجهل الإعراضي، ولا يُلتفت إليه صيانةً لقطيعات الدين
مآلات التمييع المعاصر ومفهوم إبطال الشريعة
إن توسيع مظلة العذر بالجهل والتأويل ليشمل من يعيش بين المسلمين ويملك أدوات المعرفة ثم يستحل المحرمات أو يرفض الشريعة، يؤدي إلى مفاسد عقدية خطيرة هدمها الفقهاء
إسقاط التكليف بالتعلم
لو عذرنا كل معرض ومفرط ومأول بحجة أنه لم يفهم أو لم يعلم، لصار الجهل أفضل من العلم! ولأصبح الجاهل والمفرط في مأمن من الأحكام، بينما العالِم تضيق عليه التكاليف، وهذا قلب لجوهر الشريعة {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}
تمييع الفوارق بين الإسلام والكفر
إذا أصبح كل من نطق بالشهادتين يفعل ما يشاء من الكفريات الظاهرة (كإنكار تحكيم الشريعة أو إباحة الفواحش) معذوراً بجهله أو تأويله دائماً، فإن مفهوم الردة المجمع عليه سيُلغى تماماً من كتب الفقه، وتصبح نصوص الوعيد معطلة لا حقيقة لها
المعلوم بالضرورة لا يحتاج إلى جامعة ولا شيخ
الفقهاء عندما قسّموا الدين، جعلوا الأحكام على مرتبتين
العلم الخاص (التخصصي) كدقائق فقه البيوع، والمواريث المركبة هذا العلم يشترط فيه الدراسة، والجاهل أو المتأول فيه معذور مطلقاً حتى يُعلّم
العلم العام (الضروري) وهو ما يُعرف بـ المعلوم من الدين بالضرورة، وهو القدر الذي يشترك في معرفته العامي والعالم (كالتوحيد، وفرضية الصلاة والحجاب، وتحريم الزنا والخمر)
هذه الأحكام تنتقل في المجتمع عبر الاستفاضة والتواتر والبيئة الاجتماعية فالطفل والعامي في مجتمع مسلم يسمع الأذان، ويرى الصلاة، ويعلم تحريم الفواحش؛ هذا العلم يدخل إلى عقل الفرد بالضرورة بمجرد مخالطة المسلمين، تماماً كما يعلم أي شخص أن النار حارقة دون الحاجة لدراسة الفيزياء
الخلاصة المناط هو التمكن من السؤال وليس تحصيل الإجازة
يقول الإمام النووي والفقهاء من بعده إن الواجب على كل مسلم إذا أشكل عليه أمر في دينه، أو أراد الإقدام على فعل، أن يسأل في بلد تتوفر فيه المآذن، والمصاحف، ومواقع الفتوى، والمشايخ؛ إذا أقدم الشخص على ناقض ظاهري دون أن يكلف نفسه عناء السؤال، فإن حاله هو المعرض المستخف وليس العاجز المعذور
التمكن من العلم كالعلم نفسه في ترتب الأحكام؛ وكما أن القانون الوضعي اليوم لا يعذر أحداً بجهل القانون ما دام منشوراً في الجريدة الرسمية، فكيف بدين الله الظاهر المشهور المتمكن منه؟ !