مذهب السادة الأشاعرة والماتريدية (وهم جمهور أهل السنة والجماعة عبر التاريخ الإسلامي وحتى اليوم) في التعامل مع آية {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} والآيات والصفات المتشابهة يقوم على أصل قطعي وهو التنزيه المطلق لله تعالى عن التشبيه والتجسيم، والمكان والجهة والتحيز، لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}
ولعلمائهم رضي الله عنهم في تفسير "استوى على العرش" مسلكان معتمدان وصحيحان
مسلك التفويض
وهي طريقة تقوم على خطوتين
نفي المعنى الظاهر الحسي: الذي يتبادر إلى أذهان المشبهة (كالمقعد، أو الاستقرار، أو المماسة، أو التحيز في مكان)، لأن الله غني عن العرش وعن المكان
تفويض حقيقة المعنى إلى الله: فيقولون: استوى كما أخبر، لا كما يخطر للبشر، ونؤمن بها ولا نكيفها، ونكِلُ علم معناها المراد إلى الله تعالى
مقولة الإمام مالك الشهيرة (وهي عمدة هذا المسلك): الاستواء معلوم (أي ورد في القرآن)، والكيف غير معقول لأن الله منزه عنه، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة
مسلك التأويل
تفسرالآية بما يوافق لسان العرب وقواعد اللغة، ولهم في "استوى" عدة تأويلات سائغة عربياً
الاستيلاء والقهر والملك: أي قهر العرش وغلبه بالقدرة دون منازع، كما قال الشاعر العربي: قد استوى بشرٌ على العراقِ .. من غير سيفٍ أو دمٍ مهراقِ (أي ملكها وضبطها). والعرش خُص بالذكر لأنه أعظم المخلوقات، فإذا كان تحت قدرة الله وملكه، فغيره من المخلوقات من باب أولى
الكمال والتمام: من قولهم "استوى الثمر" أي نضج وتم، فيكون المعنى: انتهى خلق المخلوقات بتمام خلق العرش وقصد أمره إليه
العلو والرفعة المعنوية: علو المكانة والمقام والقدر العظيم، لا علو المكان والمسافة الحِسية
خلاصة عقيدتهم في العرش
يرى السادة الأشاعرة والماتريدية أن العرش مخلوق لله تعالى، والله كان موجوداً قبل خلق العرش ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان (موجود بلا مكان)
فالعرش لم يُخلق ليجلس الله عليه (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً)، بل خُلق إظهاراً للقدرة
فجميع السادة الأشاعرة والماتريدية يؤمنون بأن الله استوى على العرش لكن بلا جهة ولا مكان ولا حيز، ويؤمنون بأن الله فوق مخلوقاته، فوقية قهر لا فوقية مكان، ويؤمنون بعلو الله المطلق وأنه العلي لكن لا علواً حسياً مادياً أو علو مسافة. فادعاء أن السادة الأشاعرة والماتريدية ينكرون استواء وفوقية وعلو الله ادعاء كاذب غرضه تشويه صورتهم من قِبل خصومهم؛ بل هم يؤمنون بذلك كله لكن منزهين له سبحانه عن الجهة والمكان والمادية الحسية. ومَن أنكرَ علو الله المطلق، أو أنه استوى على العرش، أو أنه فوق خلقه مهيمناً، فقد كفر باتفاق أهل السنة قاطبة
القاعدة المنهجية: نفي "الكيف الحسي المادي" لا يعني أبداً نفي "أصل الصفة". فالأشاعرة والماتريدية يُثبتون العلو والفوقية والاستواء، ولكن على الوجه الذي يليق بجلال الله، لا على الوجه الذي يتبادر لأذهان المشبهة
نصوص أئمة الأشاعرة والماتريدية تشهد لإيمانهم
إذا رجعنا إلى أمهات الكتب عند الأشاعرة والماتريدية، نجد تصريحاً واضحاً بإثبات هذه الصفات وردّ التهمة عن أنفسهم
الإمام أبو الحسن الأشعري إمام أهل السنة والجماعة (ت 324 هـ) يقول
وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، استواءً منزهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته
الإمام أبو منصور الماتريدي إمام الهدى (ت 333 هـ) يقول
القول بالاستواء على العرش ثابت بالسمع (أي القرآن)... فنقول بالاستواء وننفي عنه التشبيه
الإمام الباقلاني والإمام الجويني والإمام الغزالي؛ كلهم يسطرون في كتبهم أن من جحد الاستواء أو العلو الوارد في القرآن فقد كذّب بالكتاب، وتكذيب الكتاب كفر مخرج عن الملة
كيف يتعامل السادة الأشاعرة والماتريدية مع حديث الجارية؟
يتعامل السادة الأشاعرة والماتريدية مع الأحاديث والآيات التي ورد فيها لفظ في السماء مثل حديث الجارية المشهور «أين الله؟ قالت في السماء» بنفس المنهج والميزان القطعي الذي يتعاملون به مع آية الاستواء؛ وهو التنزيه المطلق عن الحلول في الأمكنة، وصرف اللفظ عن ظاهره الحسي المادي
فالسماء مخلوق من المخلوقات سواء أكان المقصود بها الأجرام المبنية أو جهة العلو، والله سبحانه وتعالى خالقها، وكان موجوداً قبلها بلا مكان، ولا يصح عقلاً ولا شرعاً أن يحل الخالق في المخلوق أو يحويه شيء من صنعه
ولعلمائهم رضي الله عنهم في توجيه لفظ في السماء مسلكان معتمدان مع لسان العرب وقواعد الشريعة
مسلك التفويض
يقولون نؤمن باللفظ كما جاء، مع قطع اليقين بأن ظاهره الحسي وهو حلول الله داخل السماء أو تحيزه فيها مستحيل ومنفي في حق الله تعالى، ثم نفوّض حقيقة المراد من هذا اللفظ إلى علم الله سبحانه، قائلين: الله أعلم بمراده
مسلك التأويل
وهنا يفسر العلماء اللفظ بما يحتمله لسان العرب في مثل هذه التراكيب، ولهم فيه عدة توجيهات لغوية بليغة
أولاً: أن في بمعنى على علو المكانة والقدر العرب تضع حروف الجر مكان بعضها، كقوله تعالى على لسان فرعون {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أي على جذوع النخل فيكون معنى في السماء أي على السماء أي فوق السماء، والمراد فوقية و علو القهر، والقدر، والمنزلة، وليس علو المسافة والجهة الحِسية
ثانياً: أن السماء في اللغة بمعنى العلو المطلق
ثالثاً: أن المراد في السماء إلهيته وأمره وقضاؤه كما في قوله تعالى {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ}، فالله ليس حالاً في الأرض ولا حالاً في السموات بذاته حساً، وإنما المعنى هو المعبود والمطاع فيهما، وهو نافذ الأمر والقضاء في أهل السماء وأهل الأرض
رابعاً: توجيه خاص بـ حديث الجارية الامتحان بنفي الألوهية عن الأوثان يوضح الأشاعرة والماتريدية سياق حديث الجارية؛ فالجارية كانت خرساً أعجمية تعيش بين مشركين يعبدون أصناماً في الأرض، فلما سألها النبي ﷺ «أين الله؟» أشارت أو قالت «في السماء»، وكان هذا علامة وإشارة على أنها موحدة تبرأ من أصنام الأرض المادية، وتؤمن بإله السماء الذي كان العرب يعرفون أنه الخالق المستحق للعبادة وحده كما في قوله تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} فلم يكن السؤال عن مكان الله الذاتي، بل كان اختباراً لإيمانها وتمييزاً لها عن عبدة الأوثان الأرضية
نفي المكان والجسم عن الله تعالى
الإمام الطحاوي ت 321 هـ
المصدر: العقيدة الطحاوية بيان عقيدة أهل السنة والجماعة
وتعالى [الله] عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات
قرر الإمام الطحاوي تنزيه الباري سبحانه عن مشابهة المخلوقين في التحيز والتركيب والتجزؤ؛ فنفى عنه الحد والمقدار، ونفي الأدوات والجهات الست المحيطة بالمخلوقات، مؤكداً أن الخالق لا يُقاس بخصائص الحوادث
الإمام أبو الحسن الأشعري ت 324 هـ
المصدر: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين
ذهب الإمام الأشعري في عموم كتبه إلى الجمع بين إثبات ما ورد في النص القرآني من الاستواء والفوقية الشريفة، وبين نفي لوازم المخلوقين؛ فهو يثبت الاستواء على العرش بلا كيف، وينفي بالدليل القاطع أن يكون الله تعالى جسماً مشابهاً للأشياء، أو أن يكون مستقراً بحدٍّ، أو حالاً في مكان أو جهة تحويه
الإمام أبو منصور الماتريدي ت 333 هـ
المصدر: كتاب التوحيد
قرر الإمام الماتريدي بالدليل العقلي والسمعي أزلية وجود الله سبحانه وتعالى وغناه المطلق عن المكان والزمان، مستدلاً بأن الله كان موجوداً ولا مكان موجود، وأن صفاته منزهة عن التغير والاستحالة والزوال؛ وبالتالي فإن خلقه للأمكنة لا يُحدث في ذاته تحيزاً ولا حُلولاً، بل هو الآن على الوصف الذي كان عليه في الأزل
الإمام ابن فورك ت 406 هـ
المصدر: مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري / مشكل الحديث وبيانه
يسير ابن فورك على القواعد الأشعرية المقررة في تنزيه الخالق عن قيود المخلوقات؛ ومضمون ما ذهب إليه هو إثبات أن الله تعالى كان في الأزل ولا مكان، ثم خلق الأمكنة ولم يتغير عما كان عليه قبل خلقها، مستحيلاً في حقه الانتقال والزوال والحلول، لتنزيهه المطلق عن الزمان والمكان
الإمام أبو بكر البيهقي ت 458 هـ
المصدر: الأسماء والصفات
اعتمد البيهقي المنهج الأثري القائم على التأصيل والتنزيه؛ فقرر استناداً للآثار النبوية مثل حديث كان الله ولم يكن شيء غيره أن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يحتج إليه، بل ظل غنياً عنه كما كان، منزهاً عن حلوله في شيء من خلقه أو حلول شيء من خلقه فيه
الإمام أبو المعين النسفي ت 508 هـ
المصدر: تبصرة الأدلة في أصول الدين
برهن النسفي بلغة كلامية محققة على استحالة نسبة المكان والحد والنهاية إلى الله تعالى؛ ومضمون رأيه أن القول بالمكان يوجب بالضرورة القول بحدٍّ ونهاية ومقدار للذات الإلهية، والمحدود يحتاج بالضرورة إلى مُخصِّص يحده، وهذا من علامات الحدوث والنقص المستحيلة في حق الله تعالى، مما يجعل نفي المكان ركناً أساسياً في تحقيق التوحيد والتنزيه
هذه النصوص ليست آراء فردية، بل هي إجماع منهجي أصيل ومدون في كتب كبار أئمة العقيدة المتقدمين
تنزيه الله تعالى عن الجسم والمكان والجهة والحد والجلوس والاستقرار والتحيز هو عقيدة أهل السنة والجماعة كما قررها الإمام الطحاوية و أئمة الأشاعرة والماتريدية
الإجماع على نفي المكان والجهة والجسمية عن الله تعالى
الأئمة الذين نَقَلوا وحكوا الإجماع على نفي المكان والجسمية عن الله تعالى
الإمام أبو منصور البغدادي ت 429هـ
هو من أشهر وأقدم من حكى الإجماع حيث قال في كتابه الفرق بين الفرق
وأجمعوا أي أهل السنة والجماعة على أنه لا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان
وقال في كتابه أصول الدين
وأجمع أصحابنا على أن الله تعالى لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان وأن صانع العالم لا يحويه مكان
الإمام ابن بطال ت 449هـ
في كتابه شرح صحيح البخاري في كتاب التوحيد، عند الكلام على الاستواء والنزول، نقل إجماع أهل السنة على نفي الجسمية والتحيز، وقرر أن الآيات الواردة في ذلك لا تؤخذ على ظواهرها الحركية والمكانية باتفاق لسان الأمة
الإمام القاضي عياض ت 544هـ
في كتابه المشهور الشفا بتعريف حقوق المصطفى، صرّح بإجماع المسلمين على تنزيه الله عن الجهة والجسمية والمكان، ومما قاله في شرح حديث الأين أين الله
لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقهائهم ومحدثيهم ومتكلميهم ونُظارهم ومقلديهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء ليست على ظاهرها، وأنها متأولة عند جميعهم
الإمام النووي ت 676هـ
في شرح صحيح مسلم، نقل النووي كلام القاضي عياض وغيره ومشى عليه، مؤكدًا على الإجماع والتواتر في أن الله تعالى ليس بجسم ولا يتحيز في مكان، فقال: إن الله تعالى ليس بجسم، وأنه منزه عن الجهة والاستقرار
الإمام ابن حجر العسقلاني ت 852هـ
في موسوعته فتح الباري بشرح صحيح البخاري، حكى ابن حجر في مواضع شتى خاصة في كتاب التوحيد والمغازي إجماع السلف والخلف على نفي التحيز، ومن ذلك قوله
ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالاً على الله أن لا يوصف بالعلو، لأن علوه من جهة المعنى وهو مستحيل عليه جهة المكان ونقل عن ابن بطال والداودي والخطابي الاتفاق على ذلك
الإمام المرتضى الزبيدي ت 1205هـ
في كتابه إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، قال نصاً
إنه سبحانه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر ولا يشبه شيئاً من الأشياء وجرى الإجماع على ذلك
المبحث الثاني: تفكيك العلاقة الحجاجية مع الخصوم (المدرسة التيمية)
لماذا يدعي خصوم السادة الأشاعرة والماتريدية بأنهم ينكرون علو الله وفوقيته وأنه استوى على العرش؟
السبب في ادعاء الخصوم كالمدرسة التيمية أن الأشاعرة والماتريدية ينفون هذه الصفات، يرجع إلى اختلاف جذري في الموازين والمعايير الفكرية والمصطلحات بين المدرستين
الخصوم يطلقون هذا الحكم بناءً على قاعدة فكرية عندهم تقول نفي لوازم الصفة الحِسية هو نفي لأصل الصفة ولكي نفهم لماذا يدعون ذلك، يجب أن نفكك طريقة تفكيرهم في ثلاث نقاط رئيسية
مرادفتهم بين الوجود والتحيز الحسي
عند الخصوم المقررات العقلية والمشاهدة الحِسية عندهم تقول إن كل موجود لا بد أن يكون في مكان وجهة (وهذا باطل ورد الإمام الرازي على هذه النقطة)، وما ليس في مكان ولا جهة فهو والعدم سواء لذلك، فعندما يقول الأشاعرة إن الله موجود بلا مكان ولا جهة، يفسر الخصوم هذا الكلام تلقائياً بأنه عدم، ويقولون أنت بنفيك للمكان قد نفيت وجود الله وأبطلت علوه
بينما عند الأشاعرة فلديهم تفريق حاسم بين وجود الخالق العظيم ووجود المخلوقات؛ فالمخلوق حادث يفتقر للمكان، أما الخالق سبحانه فموجود بذاته منزه عن المكان
مفهومهم للعلو الذاتي
الخصوم يقسمون العلو إلى ثلاثة أقسام علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات
هم يرون أن الأشاعرة يثبتون علو القدر والقهر فقط، وينفون علو الذات الذي يفسرونه بالوجود المادي الحسي فوق العرش
بناءً على ذلك، يقول الخصم بما أنكم تأولون العلو والفوقية بعلو المكانة والسيطرة، فأنتم قد نفيتم العلو الحقيقي الذاتي بجهته الحِسية الذي نؤمن به، ومن نفى العلو الذاتي الحسي المكاني المادي فقد نفى العلو مطلقاً
الأشاعرة يردون بأن العلو الذاتي ثابت لله تعالى، ولكن معناه علو الذات العلية عن أشباه المخلوقين ونقائصهم، وليس علو مسافة ومقدار
قاعدة إلزام المذهب لكن لازم المذهب ليس بمذهب
هذه هي الآفة الكبرى في النقاشات العقائدية؛ فالخصم يطبق قاعدته العلمية عليك ويلزمك بها رغماً عنك
مثال توضيحي يقول لك الخصم: الاستواء في لغة العرب لا يكون إلا جلوساً واستقراراً فترد عليه كأشعري أنا أؤمن بالاستواء، ولكن أنفي الجلوس والاستقرار لأنهما من صفات الأجسام المخلوقة هنا يقول لك الخصم بما أنك نفيت الجلوس والاستقرار، والتحيز، فمعنى ذلك أنك نفيت الاستواء! فأنت نافٍ ومعطل
الخصم هنا لا ينظر إلى إثباتك لأصل النص القرآني، بل ينظر إلى نفيك للتفسير الحسي الذي يعتقده هو، فيعتبر نفيك لتفسيره نفياً للآية نفسها!
الغرض الحِجاجي والسياسي: تشويه الصورة
في عالم المناظرات المذهبية، استخدام مصطلحات حادة وصادمة مثل نفاة الصفات أو المعطلة يكون له أثر نفسي وقوي جداً على العوام فحين يُقال للعامي الأشاعرة ينفون أن الله في السماء وينفون استواءه على العرش، يتبادر لذهن العامي فوراً أن الأشاعرة يكذبون القرآن! وهذا تدليس كبير؛ فالأشاعرة لا ينفون الآية، بل ينفون تجسيم الفكرة في عقل الإنسان
خلاصة الأمر
الخصوم يدعون ذلك لأنهم عاجزون عن تصور وجودٍ لا تحويه الأبعاد والجهات، فلما عجزت أوهامهم عن استيعاب التنزيه المطلق، ظنوا أن التنزيه هو عدم ونفي، فوجهوا للأشاعرة تهمة النفي والتعطيل، بينما الأشاعرة هم في الحقيقة مُثبِتُونَ للنص مُنزِّهُونَ للذات
التيمية يفسرونه بالعلو المادي الحسي فوق العرش، أليس هذا كفر وتجسيم وتشبيه الخالق بالمخلوق؟
إذا أردنا الإجابة المباشرة بميزان وقواعد السادة الأشاعرة والماتريدية، نعم إن القول بالوجود المادي الحسي، أو إثبات لوازم الأجسام كالحركة الحقيقية، والانتقال، والحد، والجلوس، والاستقرار، هو عين التجسيم والتشبيه، وهو قول يؤول بصاحبه إلى الكفر عند جماهير علماء الكلام السني؛ لأنه يخالف صريح المحكمات كقوله تعالى {{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}}
ولكن، لكي نكون منصفين علمياً، يجب أن نفهم كيف يدفع التيمية عن أنفسهم تهمة التجسيم والتشبيه؟ وما هي الحيلة اللفظية التي يقعون فيها؟
اللعبة اللفظية: إثبات بلا تكييف
المدرسة التيمية تقع في تناقض يراه الأشاعرة غريباً جداً؛ فهم يثبتون المعاني الحسية المادية كالحد، والجهة، والجلوس، والاستقرار، والحركة، ولكنهم يلحقونها مباشرة بعبارة بلا كيف أو على الوجه الذي يليق بجلاله
الأشاعرة يقولون لهم الاستقرار، والجلوس، والحد، والحركة، هي في حد ذاتها كيفيات وأعراض لا تليق إلا بالأجسام والمادة فقولكم جلوس لا كالجالسين أو حركة لا كالحركات هو تناقض منطقي؛ كمن يقول جسم لا كالأجسام أو مربع مستدير! فإثبات اللفظ الحسي هو عين التكيف والتشبيه
التيمية يقولون نحن نثبت أصل المعنى اللغوي الحسي، ونكِلُ كيفية هذه الصفة إلى الله
وهذا قول خطير، إذ يثبتون لله كيفية، وخطورة هذا الاعتقاد تكمن في أن الكيفية من صفات المخلوقين؛ فمن كان له كيف، لزم أن يكون له من يكيفه
هل يُكفِّر الأشاعرةُ والماتريديةُ خصومَهم التيمية؟
هنا تظهر سماحة وأدب أئمة أهل السنة والجماعة الأشاعرة والماتريدية؛ فهم يفرقون في الأحكام بين المجسِّم الصريح وبين المتأول الذي يقع في التجسيم من حيث لا يشعر
لذلك، القاعدة المعتمدة عند محققي الأشاعرة كالإمام الغزالي، والرازي، والآمدي هي عدم تكفير الخصوم من أهل القبلة طالما أنهم لا يصرحون بالجسمية المادية العادية، وذلك بناءً على أصلين
أولاً: هم لا يقصدون أن الله جسم كأجسام المخلوقات
التيمية يصرخون بألسنتهم نحن نبرأ من التشبيه والتجسيم!، فالأشاعرة يقبلون منهم هذا النفي اللفظي، ويعتبرون كلامهم الحسي مجرد خطأ فكري وضلال في الفهم، وشبهة عرضت لهم، وليس كفراً مخرجاً من الملة
ثانياً: قاعدة لازم المذهب ليس بمذهب
الأشاعرة يقولون صحيح أن كلام التيمية يلزمه حتماً وبالمقاييس العقلية التجسيم والتشبيه، ولكن بما أن التيمية أنفسهم يرفضون هذا اللازم ويقولون نحن لسنا مجسمة، فلا يجوز لنا أن نكفرهم بما يلزمه كلامهم، طالما أنهم يرفضون هذا اللازم بألسنتهم
خلاصة المسألة
القول بالوجود الحسي والمادي فوق العرش هو فكر تجسيمي تشبيهي بلا شك عند الأشاعرة والماتريدية، وهو يضرب أصول التنـزيه
ولكن الخصوم التيمية غرقوا في هذا التشبيه نتيجة عجز عقولهم عن تصور موجود بلا مكان، فظنوا أنهم إن لم يثبتوا هذه الحِسيّات والجهات فكأنهم يعبدون عدماً! فهم مشبهة من حيث اللوازم والمعاني الحركية، وموحدون من حيث القصد والاعتقاد العام وتنـزيه اللفظ، ولأجل هذا القصد العام صان علماء الأشاعرة دماءهم ولم يكفروهم، بل وصفوهم بالحشوية الذين حادوا عن الفهم العقلي والنقلي السليم
المبحث الثالث: براهين تنزيه الذات الإلهية (تلخيص كتاب أساس التقديس للرازي)
قراءة تلخيصية من كتاب "أساس التقديس" للإمام الجليل فخر الدين الرازي
القسم الأول: الحجج العقلية والنظرية في تنزيه الخالق عن التحيز والمكان
ويشمل هذا القسم الحجج العشر الأولى التي ركزت على المحاججة المنطقية، وتفكيك الأوهام الخيالية، والتقسيم العقلي، والوعي بالذات، وتفنيد أدلة الخصوم عقلياً
الحجة الأولى: إجماع العقلاء
إن إجماع جمهور العقلاء والفلاسفة وإقرار كثير منهم بوجود إله منزه عن الحيز والمكان، يثبت أن ادعاء الخصوم بأن تنزيه الله عن المكان مستحيل في بديهة العقل هو ادعاء باطل؛ إذ لو كان الأمر مستحيلاً بالبديهة كاستحالة اجتماع النقيضين لما اتفق عليه العقلاء ولما أمكنهم تصوره
الحجة الثانية: التفريق بين البديهيات والأوهام
إن العقل السليم يقطع فوراً بالحقائق البديهية مثل حكمه بأن الواحد نصف الاثنين، ولكنه يتوقف ولا يقطع بنفس اليقين أمام الزعم بأن كل موجود لا بد أن يكون في جهة، مما يثبت أن هذا الزعم ليس بديهية عقلية، بل هو مجرد عادة وألفة ناتجة عن سيطرة الوهم والخيال المعتاد على المحسوسات
الحجة الثالثة: التقسيم العقلي للموجودات
إن العقل عندما يصنف الأشياء يدرك أن الموجود إما أن يكون متحيزاً جسماً، أو حالاً في المتحيز صفة، أو لا متحيزاً ولا حالاً في المتحيز؛ وهذا القسم الثالث يقبله العقل المجرد تماماً كاحتمال قائم دون أي تناقض منطقي، ولا يمكن نفيه إلا بدليل
الحجة الرابعة: تجريد المفاهيم الكلية
إن العقل البشري قادر على استيعاب وفهم مفاهيم مجردة مثل مفهوم الإنسانية دون ربطها بشكل معين أو حيز مادي معين؛ فإذا كان العقل قادراً على تجريد المحسوسات لفهم معانيها، فإنه قادر تماماً على استيعاب وجود خالق منزه عن قوانين الحس والخيال
الحجة الخامسة: إدراك الحقائق دون المكان
يمكن للإنسان أثناء تفكيره العميق في حقيقة شيء ما مثل مفهوم العالم أو الطبيعة أن يدرك هذه الحقيقة فهماً تاماً وهو في حالة غفلة مطلقة عن أبعادها المكانية ومقدارها وحيزها، مما يقتضي أن إدراك الوجود لا يستلزم بالضرورة استحضار المكان
الحجة السادسة: الوعي بالذات المجردة
في لحظات الاستغراق الفكري العميق، يكون الإنسان واعياً تماماً بذاته وأفكاره يعرف أنه موجود وأنه يفكر، ومع ذلك يكون في تلك اللحظة غافلاً بالكلية عن شكل جسده أو المكان والجهة التي يتواجد فيها، فثبت أن العلم بوجود الشيء يحصل دون العلم بحيزه
الحجة السابعة: قصور الحواس عن إدراك ذاتها
إن حواسنا كالبصر الذي يرى الأشياء، والخيال الذي يتخيل الصور تعجز تماماً عن رؤية أو تخيل نفسها؛ فوجود قوى مؤثرة فينا تعجز حواسنا عن تخيلها، يفتح الباب للتسليم بوجود خالق لا يخضع للخيال البشري
الحجة الثامنة: التناقض المنطقي للخصوم
ألزم الإمام خصومه الكرامية المجسمة والحنابلة الحشوية بالتناقض؛ فهم رفضوا تنزيه الله عن المكان والجهة بحجة أن الخيال لا يقبل ذلك بينما هم أنفسهم أثبتوا لله صفات تناقض العقل والخيال مثل إثباتهم لشيء عظيم الامتداد في جهة ولكنه لا ينقسم، أو إثبات وجه ويد لا تشبه أيدي الخلق، فبما أنهم قبلوا إثبات ما يعجز الخيال عن تصوره، فلماذا يستبعدون وجود إله بلا مكان؟
إن إثبات يد ليست مادية ولا تشبه الجوارح هو أمر يرفضه الخيال والوهم تماماً ولا يستطيع رسم صورة له، فإذا كنتم قد استخدمتم العقل لإثبات أمر يعجز الخيال عن تصوره، فلماذا ترفضون قولنا إن الله موجود وليس داخل العالم ولا خارجه؟! العقل يثبت ذلك وإن كان الخيال قاصراً عن تخيله
الحجة التاسعة: نقض قياس المكان بقياس الزمان
هدم الإمام دليل المعارضين الذين قالوا لا نتخيل شيئين منفصلين إلا في مكان و جهة بمقارنتهم مع الفلاسفة الذين قالوا لا نتخيل شيئاً يسبق شيئاً إلا في زمان و وقت؛ فإذا اتبعنا الخيال المادي سنقع في الكفر كالفلاسفة القائلين بقدم العالم، والمنهج الصحيح والوحيد هو إبطال تدخل الخيال والوهم في حق الله، سواء في الزمان أو المكان
الحجة العاشرة: القياس الأَوْلى على الأفعال والصفات
نحن نؤمن بأن أفعال الله كالخلق من العدم المطلق وصفات الله كعلمه بكل ذرات الكون في نفس اللحظة دون تشويش، وتدبيره للأمر بلا تعب ولا أدوات هي أفعال وصفات يعجز الخيال البشري عجزاً تاماً عن تصورها وبما أن إدراك ذات الله أغمض وأجل من إدراك أفعاله، فمن باب أولى وأوجب أن نعزل الخيال تماماً عن التحكم في الذات العلية، مما يثبت تنزهه سبحانه عن الحيز والمكان والجهة والجسم
بعض البراهين لإبطال الجسمية والتحيز
برهان التناهي والتخصيص
كل ما يشغل حيزاً فهو متناهٍ ومحدود بمقدار ومساحة معينة، وكل متناهٍ كان يمكن عقلاً أن يكون أكبر أو أصغر، وتخصيصه بهذا الحجم دون غيره يعني وجود مخصِّص خالق رَجّح هذا الحجم، فالمتحيز إذن ممكن الوجود ومحدث، والله واجب الوجود لا حد له
برهان التركيب والتجزئة
الجسم المتحيز يتكون بالضرورة من أجزاء صغيرة ترتبط ببعضها، وكل مركّب يفتقر إلى من ركّبه وجَمعه، والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء والتركيب
لو قيل: الله سميع والإنسان سميع، فلماذا تمنعون التحيز عن الله؟
يجب أولاً التفريق بين صفات الكمال كالسمع وصفات النقص كالتحيز
السمع كمال نص عليه الشرع: إثبات صفة السمع لله تعالى لا يستلزم التشبيه؛ لأن السمع في حق الله صفة كمال أثبتها النص القرآني، ونؤمن بها مع قطع الشبهة عن مماثلة سمع المخلوقين
التحيز نقص محظور: التحيز شغل حيز أو مكان ليس صفة كمال، بل هو صفة نقص واحتياج؛ لأنه يجر حتماً إلى التجسيم، والتجسيم يقتضي أن يكون للشيء أبعاد وحدود، وكل ما له حد وأبعاد فهو حادث مخلوق وله بداية، وهذا مستحيل على الخالق الأزلي
إبطال الحركة والسكون بتفكيك طبيعة الأجسام
الحركة والسكون متلازمان: الحركة انتقال من حيز إلى حيز والسكون استقرار في حيز، وهما صفتان متضايفتان لا تنفكان عن الأجسام
برهان التغير والحدوث :كل ما يقبل الحركة والسكون فهو قابل للتغير، والتغير علامة قاطعة على الحدوث والمخلوقية، فالخالق ثابت أزلي لا يجوز عليه التغير
الحركة نقص فهي تدل على انتقال الشيء من مكان إلى آخر، ممّا يعني أنه كان يفتقر إلى المكان الأول ثم احتاج إلى الثاني، بينما الكمال المطلق يكمن في الغنى التام عن الأمكنة والجهات
السكون ليس استقراراً بل تحيز وجُمود، وصف الله بالسكون يُلزِم عقلاً بحصره في مكان ليحتويه أو يحمله، كما يجعله محصوراً في حالة مادية واحدة الجمود في مقابل حالة أخرى الحركة، والله منزه عن هذه الأحوال المادية وعن الحاجة للاستراحة
القسم الثاني: الأدلة النقلية والشرعية ومقتضياتها اللغوية في إبطال الجسمية والجهة
ويشمل هذا القسم الحجج التسع عشرة التالية، والتي اعتمدت بشكل مباشر على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية - كاستدلالات الإمام الرازي من سور الإخلاص، وآيات الفوقية، والاستواء، والقيومية، والصمدية - وتوجيهها لغوياً وعقلياً لإثبات تنزيه الذات الإلهية
الحجة الأولى: سورة الإخلاص
تستند الحجة الأولى إلى سورة الإخلاص، ويمكن تلخيصها في ثلاث نقاط أساسية
سياق النزول سورة الإخلاص نزلت رداً على سؤال مباشر من المشركين عن صفات الله، لذا فهي كلام محكم لا يحتمل الشك أو التغيير، وهي الفيصل في إثبات صفات الله
نفي الجسمية: الله تعالى أحد، والأحد هو الواحد الذي لا يتجزأ ولا يتركب أما الجسم، فمن طبيعته أنه مركب من أجزاء مثل اليمين، واليسار، والأمام، والخلف، وبما أن الله أحد، فهو لا يمكن أن يكون جسماً
النتيجة: كل من يقول بغير ذلك، أو يثبت لله الجسمية أو الجهة أو الحيز المكان، فهو مخالف لما ورد في هذه السورة، وبالتالي فإن قوله باطل
ثم يستكمل الرازي هنا تفكيك المفهوم العقلي لجسم والجوهر ليوضح لماذا لا يمكن أن يوصف الله بهما
استحالة التحيّز: المكان والجهة يوضح الرازي أن أي شيء يشغل حيزاً مكاناً له أبعاد يمين، يسار، فوق، تحت، هذه الأبعاد تجعل الشيء منقسماً إلى أجزاء، لأن اليمين ليس هو اليسار وإذا كان الله أحداً لا يتجزأ، فلا يمكن أن يكون له مكان أو جهة، لأن المكان والجهة يستلزمان الانقسام
استحالة الجوهر الفرد: الجوهر الفرد هو أصغر جزء في المادة. يضيف الرازي هنا حجّة أخرى لو افترضنا أن الله جوهر، فإن هذا الجوهر سيكون له أمثال أي جواهر أخرى مشابهة له، وهذا يناقض كونه أحداً فريداً لا مثيل له
النتيجة النهائية: بما أن الله ليس جسماً لأنه لا يتركب وليس جوهراً لأنه لا مثيل له ولا يقبل التجزئة، فإنه بالضرورة لا يحتاج إلى مكان حيز ولا يحده اتجاه
أو جهة
ينتقل الرازي هنا إلى معنى اسم الله الصمد ليثبت استحالة أن يكون الله جسماً، فـالصمد في اللغة يعني السيد الذي يقصده الناس في حوائجهم، أي أنه هو الذي يحتاج إليه الجميع، بينما هو لا يحتاج إلى أحد
لماذا الجسم لا يمكن أن يكون صمداً؟
لأن الجسم مركب من أجزاء، وكل جزء يحتاج للآخر ليقوم الجسم به، فإذا كان الله جسماً، فهو محتاج لأجزائه، ومن كان محتاجاً لشيء لا يمكن أن يكون هو الذي يقصده الجميع، فالصمدغني عن كل شيء
الجسم يحتاج لأدوات ليقوم بوظائفه، عين للإبصار، يد للفعل، فكيف يكون صمداً غنياً عن كل شيء وهو يحتاج لأدوات؟
لو كان جسماً، لكانت الأجسام متماثلة، فلو احتاجت الأجسام إلى الله، فإنه سيحتاج إلى نفسه، وهذا تناقض عقلي لا يصح
يختتم الرازي الحجة الأولى بالتأكيد على أن المكان الحيز لا يليق بالله، بسبب
استحالة الاحتياج: لو كان الله في مكان، لكان إما مضطراً لوجوده في هذا المكان وهذا يعني أنه محتاج للمكان، أو كان مختاراً وهذا يعني أنه احتاج لشيء
يخصصه بهذا المكان دون غيره في كلتا الحالتين، وهذا يناقض صفة الصمد الذي لا يحتاج لأي شيء
الاستدلال بقصة موسى: عندما سأل فرعون موسى {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ؟} سؤال عن ماهية الله وحقيقته، لم يقل موسى إنه في جهة كذا، بل أجاب بصفات فعله {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} خالق الكون ومدبره
النتيجة :الاستدلال بالخلق والتدبير أقوى وأليق بالله من محاولة تحديد مكانه، لأن المكان جزء من حقيقة الجسم، والله منزه عن الجسمية
يستخدم الرازي استدلال إبراهيم عليه السلام في محاججته للكواكب ليوضح أن الله منزه عن التغير، وبالتالي منزه عن الجسمية
حجة التغير إبراهيم عليه السلام رأى الكواكب تتغير تظهر وتختفي، واستنتج أن الشيء الذي يتغير لا يمكن أن يكون إلهاً، لأن الإله يجب أن يكون غير متغير
الربط بالجسمية: الرازي يضيف هنا قاعدة عقلية كل الأجسام متماثلة، فإذا كان الله جسماً، فسوف تجري عليه أحكام الأجسام، وأهمها التغير من الحركة والسكون، والاتصال والانفصال
النتيجة: بما أن التغير نقص لا يليق بالإله، وبما أن الجسم يتغير بالضرورة، فإن الله ليس جسماً
الحجة الثانية: الآية الكريمة لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
القرآن ينفي وجود أي مثيل لله
الجسمية تجعل الشيء مماثلاً لسائر الأجسام في خصائصها كالحيز والتركيب
إذن إثبات الجسمية لله يؤدي إلى إثبات المثيل لله، وهو ما تنفيه الآية قطعاً
حجة بطلان اختلاف الذات في المتماثلات
لا يمكن لجسمين أن يختلفا في ذات الحقيقة و الماهية، الاختلاف يكون في الصفات الخارجية
فلو كان الله جسماً، لوجب أن تكون ذاته مماثلة لذوات المخلوقات، وهو محال شرعاً وعقلاً
فالتماثل في الماهية الجسمية يمنع التفرد، والله تعالى متفرد لا يشبهه شيء
الحجة الثالثة: الغنى المطلق
يستدل بقوله تعالى {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد 38] فالله غني، والجسم محتاج لأجزائه، وأعضائه، وجهته، فلا يمكن أن يكون الله جسماً
الحجة الرابعة: القيومية
يستدل بقوله تعالى {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة 255] القيوم يعني القائم بنفسه والمقيم لغيره فلو كان جسماً، لكان محتاجاً لأجزائه فيقوم به غيره، ولكان محتاجاً لمكان فيحل في حيز، وهذا ينقض كونه قيوماً مطلقاً
الحجة الخامسة: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}
قال تعالى {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم 65]
السميّ هو المثيل أو النظير يوضح الرازي أن لو كان الله متحيزاً له مكان، فالأجسام الأخرى متحيزة أيضاً، فلكان الله مشاركاً لها في صفة التحيز، وبالتالي سيكون لها سميّ مثيل وبما أن الله نفى عن نفسه أن يكون له أي مثيل، فإنه بالضرورة لا يمكن أن يكون جسماً متحيزاً
الحجة السادسة: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ}
قال تعالى {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر 24]
يقدم الإمام فخر الدين الرازي هنا استدلالاً عقلياً مبنياً على معنى المُصوِّر
التقدير: الله هو الذي يقدر الأشياء بمقادير وحدود. لو كان الله جسماً لكان متناهياً محدوداً، فمن الذي قدّره بهذا الحجم والحد؟
التصوير: لو كان الله جسماً، لكان له صورة وشكل، وهذا يعني أنه مُصوَّر بفتح الواو، أي أن هناك من صوّره، وهذا يناقض كونه هو المُصوِّر بكسر الواو لكل شيء
النتيجة: الله منزه عن أن يكون له حد أو صورة لأنه هو خالق الصور والحدود
الحجة السابعة: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}
قال تعالى {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد 3]
الجسم لا يمكن أن يكون ظاهراً وباطناً في نفس الوقت بالنسبة لنفسه؛ لأن الظاهر هو السطح، والباطن هو العمق
لو كان الله جسماً، لكان سطحه غير عمقه، ولتجزأ إلى ظاهر وباطن، وهذا ينافي كونه واحداً لا يتجزأ
بما أن الله وصف نفسه بأنه الظاهر والباطن على الإطلاق، فهو منزه عن طبيعة الأجسام التي تحتاج إلى أبعاد ظاهر وباطن لكي توجد
الحجة الثامنة: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}
قال تعالى {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام 103]، وقوله {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه 110]
الإدراك بالبصر والإحاطة بالعلم يتطلبان أن يكون الشيء محدوداً بجهة أو مقدار أو صورة، فلو كان الله جسماً لصار قابلاً للإدراك والإحاطة كباقي الأجسام وبما أن الله نفى عن نفسه الإدراك والإحاطة، فهذا دليل على أنه منزه عن كونه جسماً محدوداً بمقدار أو شكل
ثم يرد الإمام فخر الدين الرازي على من يقول: قد يكون جسماً كبيراً لا يحيط به البصر بأن الإدراك والإحاطة لا يعتمدان على كبر حجم الجسم، بل على كونه جزءاً أو محدوداً، فكل جسم مهما كبر تظل أجزاؤه غير مدركة للناظر، والله تعالى منزه عن هذا النوع من التجزئة والحدود
الحجة التاسعة: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}
قال تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة 186]
نزلت هذه الآية رداً على سؤال الصحابة أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فالقرب هنا ليس قرباً مكانياً أي كونه في مكان كما يتوهم البعض، لأن لو كان الله جسماً في مكان محدد، لكان بعيداً عن أماكن أخرى فاستحقاق صفة القرب من كل داعٍ في كل مكان تؤكد أنه ليس جسماً متحيزاً في مكان خاص
الحجة العاشرة: استبعاد الجهة العلوية الحسية المادية المكانية
لو كان تعالى في جهة فوق لكان سماء، ولو كان سماء لكان مخلوقاً لنفسه، وذلك محال
ينتقد الرازي تصور أن الله موجود في جهة فوق كالسماء فلو كان الله موجوداً في مكان جهة فوق، لكان ذلك المكان سماءً، وبما أن السماء مخلوقة، فسيؤدي ذلك إلى القول بأن الله مخلوق لنفسه أو حالّ في مخلوق، وكلاهما مستحيل عقلاً . يخلص الرازي إلى أن القول بالفوقية لا يمكن أن يكون بمعنى المكان، بل بمعنى العلوّ المعنوي علوّ القدر والمنزلة
كلمة السماء ليست اسم علم لمكان مادي ثابت، بل هي وصف لكل ما علا فالسحاب سماء لأنه عالٍ، والجهة التي فوقنا سماء لأنها علوية
إذا قلنا إن الله في جهة فوق، فإننا نحوله في عقولنا إلى جسم له حدود ونهايات؛ لأن كل من كان في جهة معينة، فإنه بالضرورة له جهة مقابلة أسفل وحدود تحيط به وبما أن الله خالق الأمكنة والجهات، فإنه لا يمكن أن يكون مقيداً بواحدة منها
العلو الذي وصف الله به نفسه ليس علوّاً مكانياً ولا جهةً مادية، والعلو هو علو المنزلة والقدر والسيطرة وليس علو المسافة والمكان
الحجة الحادية عشرة: الله خالق المكان والزمان
قال تعالى {قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلَّهِ} [الأنعام 12]، وقوله {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [الأنعام 13]
الله هو مالك المكان السماوات والأرض ومالك الزمان الليل والنهار
بما أن الله هو الخالق والمالك للمكان والزمان، فإنه بالضرورة خارج عنهما؛ فالمخلوق لا يحيط بخالقه، والمكان لا يحيط بمن خلقه، لذا تنزيه الله عن المكان والزمان هو مقتضى كونه رب العالمين ومالك الوجود
الحجة الثانية عشرة: بطلان القول بكون الله محمولاً على العرش
قال تعالى {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة 17]
يشير الإمام فخر الدين الرازي إلى أن العرش له حملة ملائكة يحملونه
لو كان الله مستقراً على العرش بمعنى الحلول المادي، لكان الله نفسه محمولاً من قِبل هؤلاء الحملة الملائكة وهذا يعني أن الخالق يحتاج إلى المخلوق ليحمله، وهذا محال عقلاً وشرعاً، فالله غني عن خلقه
الحجة الثالثة عشرة: الاستواء بعد الخلق
قال تعالى {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف 54]
يستخدم الإمام فخر الدين الرازي هنا حجة الترتيب الزمني
الآية تشير إلى أن الله خلق العرش ثم استوى عليه
لو كان الاستواء مكاناً ومستقراً لله، لكان العرش مكاناً لله قبل أن يخلق الله السماوات والأرض
لكن العقل يقتضي أن تهيئة مكان لله العرش أهم وأسبق من تهيئة مكان للعبيد السماوات والأرض وبما أن الله أخبر أنه استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض، دل ذلك على أن الاستواء ليس حلولاً مكانياً أو جلوساً، بل هو استواء ملك وسيطرة
(الحجة الرابعة عشرة: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ
قال تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص 88]
هذه الآية تقرر أن كل ما سوى الله تعالى فهو هالك فانٍ، بما في ذلك الحيّز المكان والجهة
لو كان الله موجوداً في مكان أو جهة، لكان الله ملازماً لهذه المخلوقات الفانية فإذا فنيت هذه الأمكنة والجهات كما تقرر الآية، فكيف يكون الله موجوداً في شيء قد فني؟
بالتالي الله سبحانه يبقى موجوداً بعد فناء كل شيء، وهذا يقتضي عقلاً أنه لم يكن أصلاً متعلقاً بوجود هذه الأمكنة أو الجهات، فهو منزه عن الارتباط بها في وجوده
الحجة الخامسة عشرة: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ}
قال تعالى {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ} [الحديد 3]
هذه الآية تقتضي أن الله موجود قبل كل شيء في الأزل وسيبقى بعد فناء كل شيء في الأبد وبما أن الحيز والجهة من المخلوقات التي لها بداية ونهاية، فإن وجود الله الأزلي والأبدي يقتضي أنه موجود منزه عن الارتباط بأي حيز أو جهة؛ لأنه كان موجوداً قبل وجود المكان والجهة، وسيبقى كذلك بعد فنائهما
الحجة السادسة عشرة: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}
قال تعالى {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق 19]
لو كان الله جالساً في جهة فوق كما يتوهم البعض، لكان السجود باتجاه فوق يعني الابتعاد عن الله لا الاقتراب منه، لأن السجود يكون على الأرض في الأسفل وبما أن الله أمر بالسجود للاقتراب منه، دل ذلك على أن القرب من الله ليس قرباً مكانياً أو مسافة، بل هو قرب معنوي بالعبادة والروح، مهما كان مكان العبد
الحجة السابعة عشرة: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا}
قال تعالى {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا} [البقرة 22]
الأنداد هم الأمثال لو كان الله جسماً، لكان مماثلاً لكل الأجسام لأن الأجسام كلها متماثلة في حقيقتها المادية وإثبات المثل لله يقع في محظور جعل أنداد لله، وهو ما نهى الله عنه صراحة
الحجة الثامنة عشرة: حديث كان الله ولم يكن معه شيء
هذا الحديث نص قاطع؛ ففي الأزل لم يكن هناك مكان، ولا زمان، ولا جهة، ولا عرش، فالله موجود بذاته بلا احتياج لأي من هذه المخلوقات وبما أنه كان قبلها، فهو لا يزال منزهاً عنها في كمال وجوده
الحجة التاسعة عشرة: حديث أين كان ربنا
روي أن النبي ﷺ قيل له أين كان ربنا؟ فقال كان في عماء، ليس تحته ماء ولا فوقه هواء
يوضح الإمام فخر الدين الرازي أن العلماء اختلفوا في ضبطها. هل هي عَماء بفتح العين بمعنى السحاب الرقيق، أم عُمى بضم العين بمعنى الحالة التي لا يُبصرها البصر
يرجح الإمام فخر الدين الرازي أن المقصود هو نفي المكان والجهة تماماً فقوله ليس تحته ماء ولا فوقه هواء ينفي وجود الله في مكان لأن المكان يحتاج إلى فوق وتحت، وينفي وجوده في فراغ أو هواء
هذا الحديث دليل قاطع على أن الله كان موجوداً قبل خلق المكان والجهة التي هي الماء والهواء والأبعاد، وأنه لا يزال كما كان، موجوداً بلا مكان ولا جهة
أقوال حجة الإسلام الإمام الغزالي
في نفي الجهة والمكان والجسم عن الله تعالى
فإن قيلَ: فإن لَم يكنْ مخصوصاً بجهةِ فوقٍ فما بالُ الوجوهِ والأيدي تُرفعُ إلى السماءِ في الأدعيةِ شرعاً وطبعاً؟ وما بالُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالَ للجاريةِ التي قصدَ إعتاقَها، وأرادَ أن يستبينَ إيمانَها: «أينَ اللهُ؟»، فأشارَتْ إلى السماءِ؛ فقالَ: إنَّها مؤمنةٌ؟
فالجوابُ عن الأولِ: أنَّ هذا يضاهي قولَ القائلِ: إنْ لَم يكنِ اللهُ في الكعبةِ وهي بيتُهُ فما بالُنا نحجُّها ونزورُها؟ وما بالُنا نستقبلُها في الصلاةِ؟ وإن لَم يكنْ في الأرضِ فما بالُنا نتذلَّلُ بوضعِ وجوهِنا على الأرضِ في السجودِ؟
هذا هذيانٌ، بل يُقالُ: قصدُ الشرعِ مِنْ تعبُّدِ الخلْقِ باستقبالِ الكعبةِ في الصلواتِ ملازمةُ الثبوتِ في جهةٍ واحدةٍ؛ فإنَّ ذلكَ ـ لا محالةَ ـ أقربُ إلى الخشوعِ وحضورِ القلبِ مِنَ التردُّدِ على الجهاتِ.
ثم لَمّا كانَتِ الجهاتُ متساويةً مِنْ حيثُ إمكانُ الاستقبالِ خصَّصَ اللهُ تعالىٰ بقعةً مخصوصةً بالتشريفِ والتعظيمِ، وشرَّفَها بالإضافةِ إلى نفسِهِ، واستمالَ القلوبَ إليها بتشريفِهِ؛ ليثيبَ على استقبالِها.
وكذلكَ السماءُ قبلةُ الدعاءِ؛ كما أنَّ البيتَ قبلةُ الصلاةِ، والمعبودُ بالصلاةِ والمقصودُ بالدعاءِ منزَّهٌ عن الحلولِ في البيتِ والسماءِ.
ثم في الإشارةِ بالدعاءِ إلى السماءِ سرٌّ لطيفٌ يعِزُّ مَنْ يتنبَّهُ لأمثالِهِ، وهو أنَّ نجاةَ العبدِ وفوزَهُ في الآخرةِ بأنْ يتواضعَ للهِ في نفسِهِ، ويعتقدَ التعظيمَ لربِّهِ تعالىٰ.
والتواضعُ والتعظيمُ عملُ القلبِ، وآلتُهُ العقلُ، والجوارحُ إذنْ إنَّما اسْتُعْمِلَتْ لتطهيرِ القلبِ وتزكيتِهِ؛ فإنَّ القلبَ خُلِقَ خَلْقُهُ يتأثَّرُ بالمواظبةِ علىٰ أعمالِ الجوارحِ، كما خُلِقَتِ الجوارحُ متأثِّرةً بمعتقداتِ القلوبِ، ولَمّا كانَ المقصودُ أنْ يتواضعَ في نفسِهِ بعقلِهِ وقلبِهِ؛ بأنْ يعرفَ قدْرَهُ ليعرفَ بخِسَّةِ رتبتِهِ في الوجودِ جلالَ اللهِ تعالىٰ وعلوَّهُ، وكانَ مِنْ أعظمِ الأدلةِ علىٰ خشيتِهِ الموجبةِ لتواضعِهِ أنه مخلوقٌ من ترابٍ كُلِّفَ أنْ يضعَ على الترابِ الذي هو أذلُّ الأشياءِ وجهَهُ الذي هو أعزُّ الأعضاءِ.
قواعد العقائد: التنزيهُ
وأَنَّهُ ليسَ بجسمٍ مصوَّرٍ ، ولا جوهرٍ محدودٍ مقدَّرٍ ، وأَنَّهُ لا يماثلُ الأجسامَ ، لا في التقديرِ ولا في قبولِ الانقسامِ ، وأَنَّهُ ليسَ بجوهرٍ ولا تَحلُّهُ الجواهرُ ، ولا بعَرَضٍ ولا تَحلُّهُ الأعراضُ ، بل لا يماثلُ موجوداً ، ولا يماثلُهُ موجودٌ ، ليسَ كمثلِهِ شيءٌ ، ولا هوَ مثلُ شيءٍ ، وأَنَّهُ لا يحدُّهُ المقدارُ ، ولا تحويهِ الأقطارُ ، ولا تحيطُ بهِ الجهاتُ ، ولا تكتنفُهُ الأرَضونَ ولا السماواتُ.
وأَنَّهُ مستوٍ على العرشِ على الوجهِ الذي قالَهُ ، وبالمعنى الذي أرادَهُ ، استواءً منزَّهاً عَنِ المماسَّةِ والاستقرارِ ، والتمكُّنِ والحلولِ والانتقالِ ، لا يحملُهُ العرشُ ، بلِ العرشُ وحملتُهُ محمولونَ بلطفِ قدرتِهِ ، ومقهورونَ في قبضتِهِ، وهوَ فوقَ العرشِ والسماءِ، وفوقَ كلِّ شيءٍ إلى تخومِ الثرى، فوقيةً لا تزيدُهُ قرباً إلى العرشِ والسماءِ، كما لا تزيدُهُ بعداً عَنِ الأرضِ والثرى، بلْ هوَ رَفيعُ الدرجاتِ عَنِ العرشِ والسماءِ، كما أَنَّهُ رَفيعُ الدرجاتِ عَنِ الأرضِ والثرى، وهوَ مَعَ ذلكَ قريبٌ مِنْ كلِّ موجودٍ، وهوَ أقربُ إلى العبيدِ مِنْ حبلِ الوريدِ، وهوَ على كلِّ شيءٍ شهيدٌ.
إِذْ لا يماثلُ قربُهُ قُرْبَ الأجسامِ ، كما لا تماثلُ ذاتُهُ ذاتَ الأجسامِ وأَنَّهُ لا يحلُّ في شيءٍ ، ولا يحلُّ فيهِ شيءٌ ، تعالى عَنْ أنْ يحويهِ مكانٌ ، كما تقدَّسَ عَنْ أنْ يحدَّهُ زمانٌ ، بلْ كانَ قَبْلَ أنْ خلَقَ الزمانَ والمكانَ ، وهوَ الآنَ على ما عليهِ كانَ.
وأَنَّهُ بائنٌ مِنْ خلقِهِ بصفاتِهِ ، ليسَ في ذاتِهِ سواهُ ، ولا في سواهُ ذاتُهُ وأَنَّهُ مقدَّسٌ عَنِ التغيُّرِ والانتقالِ ، لا تَحلُّهُ الحوادثُ ، ولا تعتريهِ العوارضُ ، بلْ لا يزالُ في نعوتِ جلالِهِ منزَّهاً عَنِ الزوالِ ، وفي صفاتِ كمالِهِ مستغنياً عَنْ زيادةِ الاستكمالِ.
وأَنَّهُ في ذاتِهِ معلومُ الوجودِ بالعقولِ ، مرئيُّ الذاتِ بالأبصارِ ؛ نعمةً منهُ ولطفاً بالأبرارِ في دارِ القرارِ ، وإتماماً منهُ للنعيمِ بالنظرِ إلى وجهِهِ الكريمِ.
الواجب عقلاً وشرعاً هو الاعتقاد بأن الله تعالى موجود بلا مكان ولا جهة، ولا يوصف بحركة ولا بسكون؛ لأنهما من لوازم الأجسام وما ورد في النصوص الشرعية مما يوهم الحركة كالنزول والمجيء يجب صرفه عن معناه المادي الحسي إلى معنى معنوي لائق بالجلال الإلهي كنزول الرحمة أو مجيء الأمر
صوناً للذات العلية عن صفات المخلوقين